المقدمة
أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات برئاسة المستشار حازم بدوي عن بدء فترة الصمت الانتخابي لمرشحي انتخابات مجلس النواب 2025 اعتبارًا من الأحد 3 نوفمبر، وذلك قبل انطلاق تصويت المصريين في الخارج يومي 7 و8 نوفمبر.
وأوضحت الهيئة أن الصمت الانتخابي يمثل مرحلة أساسية تسبق التصويت، يُحظر خلالها على المرشحين ممارسة أي شكل من أشكال الدعاية أو الحشد الانتخابي، سواء بصورة مباشرة أو عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، لإتاحة الفرصة أمام الناخبين للتفكير بحرية واتخاذ قرارهم دون تأثير.
إلا أنه في العاشر من نوفمبر 2025، رصدت شبكة “رسوف” إطلاق وسم #انزل_شارك_مستقبل_وطن، شاركت فيه مجموعة من الحسابات تحث الناخبين على التصويت لحزب “مستقبل وطن”، في مخالفة واضحة لقواعد الصمت الانتخابي.
وفي هذا التحقيق، ستعمل شبكة “رسوف” على تحليل الوسم والمشاركين فيه، بهدف كشف الجهات التي تقف وراء إطلاقه خلال فترة يُفترض أن يسودها الصمت الانتخابي.
الرصد الأولي والجمع
باستخدام أداة التحليل Talkwalker، تمكّنا من تحديد الحساب الذي أطلق الوسم لأول مرة، وهو حساب يحمل اسم robert wilson (@volts95)، ومسجّل بموقع جغرافي في المملكة العربية السعودية.
يُلاحظ أن الحساب لا يحمل صورة شخصية، كما أن الاسم المرتبط به (Robert Wilson) لا يُعد اسمًا عربيًا.
وبفحص محتواه، تبيّن أن الحساب لا يحتوي سوى على منشورين اثنين فقط، كان أولهما متعلقًا مباشرة بالوسم محل التحقيق، وهو ماوفي هذا التحقيق، ستعمل شبكة “رسوف” على تحليل الوسم والمشاركين فيه، بهدف كشف الجهات التي تقف وراء إطلاقه وتنشيطهخلال فترة يُفترض أن يسودها الصمت الانتخابي.
يعزز فرضية أنه أنشئ خصيصًا للمشاركة في الحملة.


أما المنشور الثاني الذي نشره الحساب @volts95، فقد تضمن نصًا ينتهي بإضافة عشوائية — وهي طريقة شائعة الاستخدام بين منسّقي الحملات الإلكترونية الوهمية، تهدف إلى خداع خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي عبر إظهار المنشورات وكأنها غير مكررة، لتفادي تصنيفها كمحتوى آلي أو مكرر.

بالبحث عن نص المنشور نفسه: “المقسط: القائم بالقسط والمقيم بالعدل” تبيّن وجود عشرات الحسابات التي أعادت نشر النص ذاته مع اختلاف بسيط في الإضافة العشوائية بنهاية المنشور، ما يؤكد أن هذه الحسابات تدار بطريقة آلية ومنسقة ضمن شبكة واحدة.

قاد هذا الاكتشاف إلى رصد شبكة واسعة من الحسابات الوهمية المؤتمتة، تعمل على نشر المحتوى ذاته بشكل متزامن، مع تعديلات طفيفة تكفي لتجاوز أنظمة كشف التكرار في المنصات الاجتماعية.
ومن خلال تحليل أحد الحسابات المرتبطة بتلك الشبكة — وهو حساب naelia oliveira ima (@NaeliaI) — تبيّن أنه يحتوي على منشورين فقط:
- الأول يتضمن الوسم محل التحقيق #انزل_شارك_مستقبل_وطن.
- والثاني هو النص ذاته الذي نُشر سابقًا مع إضافة نصية قصيرة في نهايته، ما يعيد تأكيد ارتباط الحسابات ببعضها ضمن حملة منظمة ومؤتمتة لنشر الوسم.

تصاعد النشاط وتكرار النمط
عقب التغريدة الأولى التي أظطلقها حساب robert wilson (@volts95)، شهد الوسم نشاطًا مفاجئًا ومكثفًا؛ إذ تم رصد ما يقارب 200 تغريدة خلال الدقائق الخمس التالية فقط، جميعها تشارك في نشر الوسم ذاته.
اللافت أن معظم هذه الحسابات كانت مسجّلة كمستخدمين سعوديين، لكنها لا تحمل أسماء عربية، وتفتقر إلى صور شخصية أو محتوى أصلي، وهو نمط يتكرر عادة في الحملات الإلكترونية المنسقة.


و بتحليل عينة عشوائية من هذه الحسابات، تبيّن أن جميعها تشترك في الأتي:
- أسماء غير عربية.
- غياب الصور الشخصية أو أي نشاط حقيقي.
- متابعة عدد محدود من الحسابات، معظمها وهمية.
إلا أن ما لفت الانتباه هو أن جميع هذه الحسابات تقريبًا، رغم عشوائية متابعاتها، كانت تتابع حسابًا موثقًا واحدًا يحمل اسم
Prof. Jamal Sanad Al-Suwaidi (@suwaidi_jamal)،
الأمر الذي يفتح باب التساؤل حول العلاقة بين هذا الحساب وحملة الوسم المؤتمتة، ومدى دوره المحتمل في توجيه أو الإشارة إلى تلك الشبكة.


أظهر البحث حول الدكتور جمال سند السويدي، الذي يحمل الحساب الموثق @suwaidi_jamal، أنه يشغل منصب نائب رئيس مجلس أمناء مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، وهو مركز حكومي رفيع المستوى يُعنى بالبحوث السياسية والاستراتيجية في دولة الإمارات.
كما تشير المصادر إلى أنه رُقّي في عام 2020 إلى درجة وزير.
وفي سياق سابق عام 2019، ورد اسم السويدي في تقارير إعلامية وتحقيقات رقمية تحدثت عن تورطه المزعوم في حملة إلكترونية نظّمتها جهات إماراتية عبر لجان إلكترونية، استهدفت نشر شائعات حول وفاة السلطان قابوس، بهدف تضليل الرأي العام العُمانيآنذاك.
ورغم عدم صدور تأكيد رسمي لتلك الاتهامات، فإن ارتباط اسمه اليوم بشبكة الحسابات التي روّجت لوسم #انزل_شارك_مستقبل_وطن يثير شبهات إضافية حول طبيعة الدور الذي قد تلعبه هذه الحسابات وتوجهاتها السياسية.

إحصائيات الحملة
أظهر تحليل بيانات الوسم #انزل_شارك_مستقبل_وطن باستخدام أداة Talkwalker خلال الفترة من 10 إلى 11 نوفمبر 2025، صورة رقمية واضحة تُشير إلى أن ما جرى لم يكن نشاطًا شعبيًا طبيعيًا، بل حملة إلكترونية منظمة و مؤتمتة بالكامل تقريبًا.
فقد بلغ إجمالي المنشورات المرتبطة بالوسم نحو 5.3 آلاف منشور، حققت ما يقارب 3.4 آلاف تفاعل بين إعجابات وإعادات نشر وتعليقات، بينما وصل المدى المحتمل للانتشار إلى 1.7 مليون مستخدم.
ورغم هذا الرقم الكبير، لم يتجاوز عدد الحسابات الفريدة المشاركة سوى 506 حسابات فقط، ما يعني أن كل حساب نشر في المتوسط أكثر من 10 منشورات، وهو معدل مرتفع على نحو غير طبيعي، إذ يقتصر نشاط المستخدمين الحقيقيين عادة على منشور أو اثنين في مثل هذه الحملات.

أما على مستوى تحليل المشاعر، فقد سجلت المشاركات 26.8% إيجابية مقابل 24.9% سلبية، وهو فارق ضئيل للغاية يعكس غياب نقاش حقيقي ووجود محتوى موحّد يُعاد تكراره آليًا دون تفاعل فعلي بين المستخدمين.
زمنيًا، أظهرت البيانات أن الحملة بلغت ذروتها خلال أقل من ساعة واحدة من إطلاق الوسم، حيث تركزت غالبية المنشورات في دفعة واحدة متزامنة، أعقبها انخفاض حاد ومفاجئ في معدل النشر — وهو نمط تقني معروف للحملات المؤتمتة التي تعتمد على تشغيل برمجي مركزي ثم توقف مفاجئ بعد انتهاء المهمة.
وتؤكد هذه الأرقام أن الانتشار كان مصطنعًا، إذ تولت 506 حسابات فقط نشر أكثر من 5 آلاف منشور ضمن فترة زمنية قصيرة، في محاولة لتضخيم الظهور والوصول إلى قوائم التريند، في انتهاك واضح لقواعد الصمت الانتخابي.
التحليل الجغرافي للحملة

ومن خلال التحليل الجغرافي لبيانات الوسم عبر Talkwalker، تبيّن أن 74% من إجمالي المنشورات (نحو 3,980 من أصل 5,370) انطلقت من المملكة العربية السعودية، بينما لم تتجاوز حصة مصر – مسرح العملية الانتخابية – نسبة 6.6% فقط.
هذا الاختلال الجغرافي إلى جانب رصد منشورات محدودة من دول بعيدة مثل الولايات المتحدة وإيران، يشير بوضوح إلى أن الحملة أُديرت من خارج الحدود المصرية عبر شبكة حسابات وهمية وآلية، جرى تنسيقها بشكل مركزي لدعم رسائل انتخابية محددة وتوجيهها نحو الداخل المصري، في خرق مباشر لفترة الصمت الانتخابي.
المؤثرين في الحملة
وفقًا لبيانات أداة Talkwalker، يتصدر حساب ميدان التحرير (@25tahrirsquare) – وهو حساب يدير صفحة إخبارية مصرية تضم نحو 1,073 متابعًا – قائمة الحسابات الأكثر تأثيرًا في نشر الوسم محل التحقيق، بعد أن نشر تسعة منشورات مرتبطة به.


ويُظهر تحليل توقيت النشر أن الحساب بدأ نشاطه قرابة الثالثة صباحًا، أي بعد نحو أربع ساعات ونصف من أول ظهور للوسم عند الساعة 11:36 مساءً بتوقيت القاهرة، ما يشير إلى أنه لم يكن ضمن الدفعة الأولى التي أطلقت الحملة، بل التحق بها بعد صعود الوسم إلى قائمة الترند.
اللافت أن الحساب يربط وسم #انزل_شارك_مستقبل_وطن مع حزمة تضم بين 10 إلى 15 وسمًا متصدرًا في كل منشور، وهو أسلوب من شأنه زيادة معدل الوصول والتفاعل، وبالتالي تعزيز ظهور الوسم المستهدف ضمن خوارزميات المنصات.
من بين الحسابات التي ظهرت ضمن قائمة الأكثر تأثيرًا في الترويج للوسم #انزل_شارك_مستقبل_وطن، برز حساب يحمل اسم KhalidFineArt (@Khalid_fineArt).

و بتحليل نشاط الحساب تبيّن أنه حساب سعودي اعتاد استغلال الوسوم المصرية المتصدّرة في قائمة التريند، ليس للمشاركة في محتواها السياسي أو الاجتماعي، بل للسخرية من الشأن المصري والتفاعل الساخر مع الأحداث الداخلية.

ويكشف هذا النمط عن توظيف ساخر للوسوم المصرية الرائجة من قبل الحساب، بما يُبرز ازدواجية واضحة في طبيعة المشاركين في الوسم محل التحقيق — بين شبكة حسابات وهمية مؤتمتة تُدار لأهداف سياسية، وهي التي أطلقت الوسم ودفعت به إلى صدارة التريند، وحسابات أخرى استغلت الترند المصري لأغراض السخرية والتفاعل العبثي.
هذا المزيج غير المتجانس من الأنشطة يُضعف مصداقية المشاركة الرقمية، ويؤكد أن الانتشار لم يكن نتاج تفاعل شعبي حقيقي، بل نتيجة تضخيم مصطنع قائم على الأتمتة والاستغلال العشوائي للوسوم الرائجة.
أظهر تحليل الحسابات الأخرى المدرجة ضمن قائمة الأكثر مشاركة في الوسم، مثل @jwrj444152 و @Redpillisfuture و @abdo_197357 و @mmmm777555، أنها نشرت محتوى ساخرًا أو هاجمت الوسم نفسه بعد صعوده إلى التريند، حيث تحوّل الخطاب من الترويج المكثف للوسم في بدايته إلى التعليق الساخر عليه في ساعاته اللاحقة.
يشير هذا التحول المفاجئ في طبيعة المحتوى إلى أن المحرّك الأساسي للوسم كان مجموعة من الحسابات المؤتمتة، التي تولّت في البداية دفع الوسم إلى قمة الترند عبر نشر متزامن ومكثف يحثّ الناخبين على التصويت لحزب “مستقبل وطن”، في مخالفة صريحة لفترة الصمت الانتخابي.
ومع بلوغ الوسم مرحلة الانتشار الواسع وتحقيق الهدف المرجو، اختفى نشاط الحسابات المؤتمتة تقريبًا، لتترك الساحة أمام موجة من الحسابات الساخرة التي استخدمت الوسم للتندر والسخرية من الحملة نفسها.
هذا التسلسل الزمني — من إطلاق مؤتمت منسق إلى تفاعل ساخر لاحق — يؤكد أن الوسم لم ينشأ طبيعيًا، بل كان نتاج عملية تضخيم موجهة ومصطنعة انتهت بانسحاب المنظّمين وترك الفضاء الرقمي للتفاعل العشوائي.

الخاتمة
تؤكد نتائج هذا التحقيق أن الوسم #انزل_شارك_مستقبل_وطن لم يكن مجرد تفاعل شعبي عفوي على منصات التواصل الاجتماعي، بل كان نتاج حملة إلكترونية منظمة ومؤتمتة، أُديرت عبر شبكة من الحسابات الوهمية التي تحركت بشكل متزامن لرفع الوسم إلى صدارة التريند، في انتهاك واضح لفترة الصمت الانتخابي.
كما أظهر التحليل أن جزءًا من المشاركين استخدم الوسم لاحقًا للسخرية أو الهجوم عليه، مما يعكس ازدواجية طبيعة الحسابات المشاركة ويعزز فرضية أن الانتشار لم يكن طبيعيًا.
وتشير البيانات الجغرافية والزمنية إلى أن الحملة تم توجيهها بشكل مركزي من خارج مصر، مع تحكم كامل في توقيت وكمية النشر، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول أهداف الحملة وطرق تضخيمها الممنهج.
في المجمل، يبرز التحقيق مدى هشاشة الفضاء الرقمي أمام الحملات الآلية، ويؤكد الحاجة إلى مراقبة حقيقية للتدخلات المصطنعة في العمليات الانتخابية الرقمية، لضمان أن التأثير على الناخبين يظل نابعًا من وعي حقيقي لا من تلاعب إلكتروني موجه.
Hi, this is a comment.
To get started with moderating, editing, and deleting comments, please visit the Comments screen in the dashboard.
Commenter avatars come from Gravatar.