في الحادي والعشرين من يناير الجاري أعلنت اللجنة المصرية الإغاثية بقطاع غزة عن مصرع ثلاثة من أفراد طاقمها الإعلامي بمنطقة نتساريم وسط القطاع.
واللجنة المصرية هي لجنة إغاثية مصرية غير حكومية نشطت خلال الحرب على غزة، وتشرف على تنفيذ مشاريع إغاثية للسكان والنازحين، وترميم للبنى التحتية في القطاع، وإنشاء المخيمات بالتعاون مع جهات حكومية ومؤسسات محلية.
ووفقاً لتصريح المتحدث باسم اللجنة، محمد منصور، فإن المصورين الصحافيين الثلاثة كانوا في مهمة إنسانية داخل “مخيم نتساريم” عندما استهدفتهم غارة الجيش الإسرائيلي.
من جهته، ادعى الجيش الإسرائيلي أن الغارة الجوية -التي استهدفت المصورين المصريين- إنما استهدفت مجموعة مشتبهًا بها كانت تقود طائرة مسيرة تعود لحركة حماس، وهو ما مثل تهديدًا للجنود الإسرائيليين المتمركزين بالمنطقة على حد زعم الجيش.
وفي هذا التحقيق تتتبع “رسوف” ما حدث لتظهر أي الروايتين أقرب للحقيقة.
بتحليل المشاهد التي ظهرت بها السيارة المستهدفة، تبين تواجدها في منطقة مفتوحة، كما ظهر شعار “اللجنة المصرية” على جزء من بقايا السيارة.

أين كان الاستهداف ؟
بتحليل المقاطع المصورة للسيارة المستهدفة ومقارنتها بصور القمر الصناعي تبين أنها كانت تقع على محور نتساريم بالقرب من مستشفى الصداقة التركي.

لماذا كانوا هناك ؟
بفحص حساب “اللجنة المصرية” على فيسبوك، تبين أن اللجنة نشرت بياناً تنعى فيه الضحايا الثلاثة (محمد قشطة، وأنس غنيم، وعبد الرؤوف شعث )

كما أظهر البحث داخل الحساب مقطعاً مصوراً نُشر قبل يوم واحد من الاستهداف يُظهر شروع اللجنة بإنشاء مخيم واسع في منطقة “نتساريم”.
ولوحظ احتواء المقطع لقطات جوية لموقع المخيم، ما يشير إلى استخدام الطاقم للطائرة المسيّرة في توثيق أعمال اللجنة.

و بتحليل هذه اللقطات، تبين أن “المخيم” يقع في مدينة الزهراء في المحافظة الوسطى بالقرب من محور “نتساريم”.
كما لوحظ أنه يقع بالقرب من مستشفى “الصداقة التركي” قرب مكان الاستهداف.

و بقياس المسافة بين موقع الاستهداف ومكان المخيم، تبين أنها تقدر ب 500 مترا فقط، وهو ما يتوافق مع تصريح المتحدث باسم “اللجنة المصرية” بأن الصحافيين الثلاثة كانوا في مهمة إنسانية في “مخيم نتساريم”.

من هم الضحايا ؟
قادنا البحث عن “محمد قشطة”، أحد ضحايا الاستهداف، إلى حسابه على “انستجرام”.

و بتحليل الحساب، وجدناه حاضرًا في العديد من المقاطع المصورة داخل المخيمات التي أنشأتها “اللجنة المصرية”، مما يؤكد عمله لصالحها

وفي أحد المقاطع، ظهر داخل مخيم “نتساريم” – قرب موقع الاستهداف – برفقة “معين أبو الحصين”، المدير التنفيذي للجنة في غزة.

كما ظهر في مقطع نشره قبل أسبوعين من الاستهداف وهو يُطلق طائرة مسيّرة لتصوير محيط أحد المخيمات، وبتحليل المقطع تبين أنه المخيم نفسه، ما يرجح أنها الطائرة المسيرة نفسها التى استخدمها قبل استهدافه.

أما “أنس غنيم”، الضحية الثانية، فقد كشف حسابه على “انستجرام” عن عمله كمصور جوي، كما ظهر في صورته الشخصية ممسكاً بطائرة مسيّرة تبين أنها من طراز “dji mavic air 2s”

و بتحليل حسابه وجدناه في مقطع مصور، مرتديا زي اللجنة المصرية، برفقة “محمد قشطة”، مما يؤكد عملهما معاً في الفريق الإعلامي.

كما أظهر المقطع “أنس غنيم” وهو يطلق طائرة مسيرة لتصوير إحدى مخيمات “اللجنة المصرية” وقد تبين أنها الطائرة المسيرة “dji mavic air 2s” نفسها.

وبالعودة إلى الطائرة المسيرة التي ظهرت مع “محمد قشطة” في مخيم “نتساريم” ومقارنتها بالطائرة المسيرة التي تظهر مع “أنس دغيم” ظهر تطابق للأرجل الأمامية المائلة التي تميز هذا الطراز.

و بالتعديل على إضاءة الصورة اتضح المزيد من التفاصيل التي تطابقت مع ذات الطراز ذاته.

يؤكد هذا التطابق أن المسيرة المستخدمة التي يستخدمها الطاقم الإعلامي للجنة هي طائرة مسيرة من نوع (DJI Mavic Air 2S)، وأن استخدامها كان جزءاً من عمل الطاقم الإعلامي في توثيق أنشطة أنشطة اللجنة.
هل هددت المسيرة القوات؟
بالعودة إلى ادعاء الجيش الإسرائيلي بأن الطائرة المسيّرة شكلت تهديداً للقوات وأنها “تابعة لحماس”، فقد تبين عبر تحديد موقع الاستهداف أنه يبعد 2 كيلومتر عن “الخط الأصفر”، أي خارج السيطرة الإسرائيلية.

و بالاستناد إلى خريطة نشرتها “Forensic Architecture” توضح مواقع تمركز
الجيش خلف الخط الأصفر، تبين أن الاستهداف يبعد 6 كيلومترات عن أقرب نقطة تمركز للقوات.


وبالبحث عن المسافة التي تستطيع مسيرة “DJI Mavic Air 2S” قطعها، وجدنا العديد من تجارب المستخدمين لها.

وقد أظهرت هذه التجارب أن المسافة التي تستطيع مسيّرة من هذا الطراز قطعها (ذهاباً) -قبل الحاجة للعودة- تتراوح بين 2.4 و6.4 كيلومتر في أفضل الظروف الجوية، أي بمتوسط 4 كيلومترات تقريباً، وهي مسافة أقل من المسافة الفاصلة بين موقع الاستهداف وأقرب نقطة تمركز للقوات الإسرائيلية (6 كيلومترات).
وتزداد استحالة الوصول إلى موقع القوات عند فحص اتجاه الرياح وقت الاستهداف، والتي كانت تهب بسرعة 11m/s بعكس اتجاه مواقع تمركز القوات، مما يقلل المدى الفعلي لحركة الطائرة بشكل كبير.

هذه المعطيات مجتمعة ترسم صورة واضحة لحادثة الاستهداف:
لدينا طاقم إعلامي يعمل على توثيق مشاريع إنسانية للجنته، على بعد أمتار من المخيم الذي جاء لتوثيقه، وباستخدام طائرة مسيّرة مدنية سبق استخدامها مراراً في توثيق مخيمات أخرى تابعة للجنة.
بالإضافة لذلك، فقد كانت المسافة الفاصلة بين الطاقم وبين أقرب موقع للقوات الإسرائيلية أكبر من المسافة التي يمكن للمسيرة قطعها، ناهيك عن اتجاه الرياح المعاكسة، ما يجعل أي محاولة لتهديد القوات أمرًا مستحيلًا من الناحية العملية.
وبذلك، تدعم الأدلة المتاحة من المصادر المفتوحة رواية اللجنة المصرية حول طبيعة المهمة الإنسانية، فيما يظل ادعاء الجيش الإسرائيلي بشأن التهديد والانتماء لحماس دون أساس واضح في تلك الأدلة. وهو تباين يطرح تساؤلات جوهرية حول الأسباب الحقيقية التي أدت إلى هذا الاستهداف.