منصة عربية مختصة بالاستخبارات مفتوحة المصدر والتحليل الشبكي.

 تبّة جباليا الغامضة.. هكذا يثبت الاحتلال وجوده داخل غزة 

 تبّة جباليا الغامضة.. هكذا يثبت الاحتلال وجوده داخل غزة 

في ديسمبر من العام السابق، وعلى الرغم من القيود المفروضة على التغطية الإعلامية بغزة، انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي عدد من المقاطع المصورة لبعض النشطاء بمخيم جباليا، أظهرت أعمال تفجير وهدم وتجريف وبناء غير مألوفة في منطقة خاضعة للعمليات العسكرية الإسرائيلية قرب الخط الفاصل، لتثير الكثير من التساؤلات حول ما تصنعه جرافات الاحتلال في هذا الجزء من المخيم.  

لكن مع قلة المعطيات التي توضحها المقاطع، فضلًا عن الدمار الشامل الذي يخفي أي ملامح جغرافية واضحة، لم يكن من السهل تحديد الموقع بدقة، ومن ثم التنبؤ بالغرض من هذه الإنشاءات. لتأتي بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية وتقدّم لنا مساعدةً غير مقصودة بنشرها تسجيلًا مصورًا تضمن صورة مقاربة لتبة صناعية أظهرتها مقاطع النشطاء. الأمر الذي يدفعنا لطرح سؤال مركزي:  

هل تُظهر هذه المواد المصوّرة المنشورة على إعلام الاحتلال الموقع نفسه الذي تضمنته مقاطع الغزيين؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما طبيعة المنشأة التي يجري العمل عليها، ولماذا تُنشأ في هذا التوقيت والمكان؟  

في هذا التحقيق، نحاول الإجابة عن هذه الأسئلة عبر تحليل بصري وجغرافي للمقاطع المتاحة باستخدام تقنيات المصادر المفتوحة، وتتبع تطور الموقع زمنيًا، وتحديد موقعه التقريبي، قبل الانتقال إلى فرضيات تفسيرية مدعومة بالأدلة والبيانات.

الخط الأصفر:

في تحليل أجرته مجموعة الأبحاث T-Politography -وهي مبادرة بحثية تأسست في عام 2022، ويديرها سياسيون وعسكريون إسرائيليون، تهدف إلى تقديم تحليلات مستندة إلى البيانات لفهم ديناميكيات الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني- رصد التحليل أن الخط الأصفر -الذي يفصل مواقع سيطرة الاحتلال عن بقية القطاع- يضع 57.8% من مساحة قطاع غزة تحت الهيمنة الإسرائيلية المباشرة، وتتوزع هذه السيطرة على النحو التالي: 68.3% من محافظة خان يونس، و62.9% من محافظة رفح، و64.3% من محافظة مدينة غزة، و43.8% من محافظة شمال غزة، و21.9% من محافظة دير البلح.

و”الخط الأصفر” يشير  إلى خط ترسيم حدود الانتشار الذي انسحبت منه قوات الاحتلال في قطاع غزة بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر 2025. ورغم وقف إطلاق النار، يُمنع الفلسطينيون في غزة من الوصول إلى منازلهم وحقولهم الواقعة خارج الخط الأصفر، ليصبح مجرد الاقتراب من الخط أو محاولة عبوره إذنًا بالإعدام من قبل قوات الاحتلال.

وقد أمر وزير الدفاع الإسرائيلي في 17 أكتوبر الماضي بوضع علامات مادية على طول الخط الأصفر، وهي -وفقًا للمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية- عبارة عن كتل خرسانية مدعومة بأعمدة يبلغ ارتفاعها 3.5 متر، بمسافات بينية ٢٠٠ متر بين كتلة وأخرى. إلا أن التقارير تشير لوضع بعض الكتل في مواقع بعيدة عن الخط الأصفر داخل غزة، مما وسّع فعليًا المنطقة الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية المباشرة. فضلًا عن الانتهاكات شبه اليومية بتقدم قوات الاحتلال، وتحريك الكتل الخرسانية، وإطلاق النار العشوائي على خيام النازحين.

وبحسب بيانات صادرة عن مكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، قُتل 93 فلسطينياً في الفترة ما بين 10 و15 أكتوبر الماضي -فقط- على يد جيش الاحتلال، بسبب محاولتهم العودة إلى منازلهم عبر الاقتراب من الخط الأصفر أو عبوره.

في شهر ديسمبر، رُصد استخدام براميل صفراء بدلاً من الكتل الخرسانية (التي تحتاج معدات هندسية ثقيلة لنقلها)، حتى يسهل تحريك “الخط الأصفر” حسب الظروف الميدانية في خرق لاتفاق شرم الشيخ الذي يحدد مناطق تواجد قوات الاحتلال داخل القطاع.

في الأسابيع الأولي من عام ٢٠٢٦ الجيش الاحتلال في بناء خندق ، بعمق عدة أمتار، على امتداد الخط الاصفر. وبحسب مراسل جريدة i24 news“ينون شالوم ياتاش” – أول من نشر صور الخندق – سيشكل الخندق عائقاً  فيزيائيا أمام الخط الأصفر يمنع سكان غزة والمركبات من العبور إلى الجانب الآخر الذي تسيطر عليه إسرائيل.

وبحسب الصحفي, تم إنجاز حوالي كيلومتر ونصف من الخندق بالفعل ويجري حالياً حفر الحاجز على امتداد عدة كيلومترات جنوب وشمال القطاع، وفقاً للتخطيط العملياتي.

 نوايا مُعلنة:

في السابع من ديسمبر الماضي، صرح رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زمير، بأن خط الانسحاب الإسرائيلي (الخط الأصفر) هو “خط النشاط التشغيلي – a line of operational activity للجيش”، معتبرًا إياه الحدود الجديدة لإسرائيل.

لم تك هذه التصريحات مجرد أقوال، بل تدعمها تحركات قوات الاحتلال المتسارع على الأرض، والتي تشهد عمليات نسف مستمرة لمربعات سكنية كاملة باستخدام الروبوتات المتفجرة، التي صارت بديلًا لإرسال القوات – تجنبًا لكمائن المقاومة – وهي عبارة عن مدرعات مجنزرة قديمة من طراز M113، خزنها جيش الاحتلال منذ حرب السادس من أكتوبر ١٩٧٣، قبل أن يعدّلها لاحقًا لتصبح ربوتًا يُقاد عن بعد، بحمولة تتراوح بين ١-٣ طن من المتفجرات. إذ تعود أولى التقارير الإعلامية عن انفجار ناقلة جند مدرعة في غزة إلى منتصف عام .

وخلال زيارته لوحدات جيش الاحتلال المتمركزة على الخط الأصفر، شوهد زمير وهو يتفقد قوات الاحتلال داخل أحد التلال الصناعية قيد البحث خلال التقرير.

تجريف ممنهج:

على الرغم من إعلان وقف إطلاق النار، والبدء في المرحلة الأولى من الانسحاب في 10 أكتوبر 2025، فإن قوات الاحتلال بقيت متمركزة خلف الخط الأصفر -بحسب حدود الانسحاب المتفق عليها – ولكن منذ نهايات نوفمبر الماضي، تعمدت القوات الإسرائيلية توسيع نطاق سيطرتها داخل مخيم جباليا عبر زحف تدريجي لآلياتها، مصحوبًا بإزاحة فعلية للخط الأصفر داخل القطاع لمسافات تتراوح من عشرات إلى مئات الأمتار. وقد تضمنت هذه التحركات قصفًا مدفعيًا مكثفًا ساهم -رفقة القصف الجوي- في محو مربعات سكنية كاملة، بالإضافة إلى نشر كتل خرسانية صفراء جديدة لتثبيت حدود السيطرة الميدانية. 

تزامناً مع ذلك، نسفت قوات الاحتلال مجموعة من التلال المحيطة بغزة، مثل الصوانة وجبل الريس والمنطار، وفي المقابل، لتبني مجموعة من المواقع العسكرية التي تضم وسائل قتالية ودبابات وأجهزة تنصت ومراقبة، بالإضافة للروبوتات التي تدمر المنازل وتمسح البنى التحتية من أجل إحلال نقاط مراقبة ومعسكرات جديدة تعيد هندسة الأرض جغرافيًا واجتماعيًا.

الموقع:

بعد حصر الأدلة المتوافرة, بدأ فريق رسوف  في التحليل البصري للمقاطع التي نشرها إعلام الاحتلال، حيث ظهر فيها عدد قليل من المباني: المستشفى الإندونيسي -المميز بشكله ثماني الأضلاع- على اليمين، وخلفه مدخنة على الساحل، بالإضافة لمبنى متضرر من -مقابل للتلة-  ومبنى ثالث أكبر حجما في أقصى يسار الفيديو.

باستخدام أدوات تحديد المواقع ومقارنتها بصور الأقمار الصناعية، حاولنا تحديد الموقع المستحدث ومطابقته بمقاطع الفيديو المنتشرة، ليتبين أنها تقع على أنقاض مربع سكني بين المستشفى الإندونيسي ومستشفى العودة.، وإحداثياتها -حسب صور الأقمار الصناعية- هي:  [31.533484, 34.509166].

بالإضافة إلى كل ذلك، عملت آليات الاحتلال على تجريف كبير للأراضي التي تسيطر عليه بعد نسف مربعات سكنية كاملة، وهو ما تظهره صور الأقمار الصناعية, التي توضح التغيير الجغرافي الحاصل منذ نهايات نوفمبر الماضي إلى ظهور آثار بناء التلة التي أخذت في التشكل منتصف ديسمبر حسب التسلسل الزمني الذي تظهره صور الأقمار الصناعية.

 شاهد مقارنة بين صور أقمار صناعية قبل وبعد

قُرًى مُحَصَّنَة:

في محاولة لفهم ما يحدث داخل التلة، بدأنا البحث باستخدام تقنيات المصادر المفتوحة ورصدنا عدة مقاطع لمجموعة من الصحفيين، الذين نظم لهم جيش الاحتلال جولةً بالموقع، من بينهم مقطع شاركه الصحفي الإسرائيلي (أساف بوزايلوف אסף פוזיילוב)، ظهرت فيه أعمال البناء التي تجري خلف جدار التبة. وبمقارنة المقاطع التي شاركها الصحفيون المشاركون في الجولة، حاولنا رسم صورة للموقع من الجهة الأخرى، لنجد أننا أمام مساحة واسعة -تعادل مربعًا سكنيًا تقريبًا- وبداخلها مجموعة من المعدات المستمرة بأعمال البناء.

أمّا عمّا يحتويه الحصن، فقد تضمّن عدة آليات ثقيلة، منها جرافة مجنزرة (Excavator) ذات ذراع مميزة، باللونين الأصفر والأسود، يوحي تصميم هيكلها بأنها من طراز Caterpillar، ويرجح أنها تنتمي للفئة 320 أو 330/336، وهي شائعة في أعمال الحفر والردم التي تم رصدها سابقًا في جباليا. كما توجد شاحنة نقل مفصلية (Articulated Dump Truck) تبدو شبيهة بطرازات CAT 740، المستخدمة في مواقع الحفر الكبيرة، وتتميز بمفصل وسطي وصندوق خلفي كبير لنقل الأتربة. بالإضافة إلى ذلك، يوجد بلدوزر/لودر أمامي (Front Loader) بعجلات مطاطية (وليست مجنزرة)، ويُرجح أنه من إنتاج Caterpillar أيضًا، وهو مناسب لتحميل التربة وتسوية الأسطح، ويبلغ متوسط عرضه حوالي ثلاثة أمتار.

باستخدام المعدات الظاهرة داخل التلة حساب مساحة المنطقة الظاهرة. حيث يظهر أن طول الجدار من الداخل أعلى من طول الشاحنة بمرة ونصف تقريبًا ، أي يتراوح بين 5-7 متر، فيما بلغ سمكه، بحسب ما ظهر في الفيديو، ضعف عرض البلدوزر تقريبًا أي من 6 إلى 8 متر.

ويظهر في المقطع أيضًا مدخلان يؤديان إلى الحصن؛ الأول مقابل للمخيم، وتظهر فيه آثار حركة دبابات وجرافات، والثاني في الجهة المقابلة باتجاه الخط الأصفر، ويبدو على هيئة فتحة في الجدار.

باستخدام أدوات القياس، يمكننا تقدير طول “الحصن” بحوالي 150 مترًا وعرضه بـ 135 مترًا تقريبًا. أما بالنسبة لارتفاعه، فيبدو من التحليل البصري أنه يفوق ارتفاع المستشفى الإندونيسي، الذي يتكون بدوره من ٤ طوابق بارتفاع تقريبي (١٢-١٦) متر، استنادًا على معايير التصميم المعياري للمستشفيات.

عين الاحتلال على جباليا:

في أول أيام العام الجاري، وفي تحدٍ سافر لوقف إطلاق النار، نشر أحد جنود الاحتلال مقاطعًا لزملائه وهم يطلقون الرصاص عشوائيًا صوب غزة، احتفالًا بالسنة الميلادية الجديدة، لكن ما لفت الانتباه في هذا المشهد كان ظهور مبنى إسمنتي – في المقطع الأول – على الطرف الأيسر لتبة رملية تشبه التبة الصناعية المذكورة.  فيما ظهر في مقطع آخر جندي يطلق النار من داخل الغرفة الإسمنتية نفسها، وبالبحث حول شارات أكتاف الجنديين ترجّح أنهما ينتميان إلى وحدة القوات الخاصة في لواء جولاني.

وتظهر الغرفة المحصنة على طرف الحصن، كاشفةً مساحة كبيرة من المخيم المُدمَّر. كما لوحظت إضافة برج اتصالات وبعض المعدات الأخرى.

تحليل المقطع الثاني -آنف الذكر- رصدنا لوحةً خططية في أعلى يمين المشهد، وبمساعدة أدوات التحليل البصري المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ميزنا في اللوحة مخططاً عسكرياً تكتيكياً تابعاً للجيش الإسرائيلي، يوضح توزيع القوات، أو طرق تحركاتها. كما تشير النصوص العبرية على اللوحة إلى مواقع جغرافية محددة، مما يدل على استخدامها لشرح الخطط العملياتية وتحديد نطاق المسؤولية الميدانية للوحدات في تلك المنطقة الجغرافية.

الصورة الكاملة:

في النهاية، يبدو أن أعمال البناء ما تزال مستمرة، وهي على وشك الانتهاء في ظل وجود المعدات التي تقوم بتسوية الأرضيات والجدران. ويظل الهدف من إنشاء “الحصن” غير معروف، لكن استناداً إلى النمط الهندسي والمعدات المستخدمة، يترجح أن الموقع ذو وظيفة عملياتية (نقطة انطلاق متقدمة/حصن ميداني)، إلا أنه لا يمكن التأكد حتى الآن دون أدلة إضافية.

كما تُظهر صور الأقمار الصناعية الحديثة تكرارًا للنمط ذاته من الأعمال الإنشائية على امتداد الخط الأصفر. فعلى سبيل المثال، تُبرز الصور التي نشرتها صحيفة هارتس الإسرائيلية عمليات تجريف، وتشكيل كتل رملية، وشق طرق تؤدي إلى نقاط تمركز ومراقبة، تتشابه في بنيتها ووظيفتها مع ما يمكن وصفه بـ«مواقع محصّنة».

يشير هذا النمط المتكرر إلى مسعى لترسيخ وجود ميداني ثابت على طول الخط الأصفر، وهو ما يتناقض مع التصريحات الإسرائيلية بشأن الاستعداد للمرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، التي يُفترض أن تتضمن انسحابًا كاملًا للقوات الإسرائيلية إلى خارج هذا الخط باتجاه أطراف القطاع.

هذا التباين بين الخطاب السياسي والوقائع الميدانية لا يقدّم إجابة حاسمة بقدر ما يترك سؤالًا مفتوحًا: هل تمثّل هذه الأعمال مجرد ترتيبات ميدانية مؤقتة، أم أنها جزء من سياسة أوسع لإعادة رسم حدود القطاع عمليًا عبر تكريس واقع جغرافي جديد على امتداد الخط الأصفر؟

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts