منصة عربية مختصة بالاستخبارات مفتوحة المصدر والتحليل الشبكي.

مسيرات صينية مدنية تستخدمها قسد كأسلحة ضد الجيش السوري

في الثامن من يناير 2026، أعلن الجيش السوري سيطرته على مدينة “الطبقة” في شمال سوريا، في تقدم عسكري ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تتمتع بإدارة ذاتية في المنطقة منذ أكثر من عشر سنوات.
جاءت هذه السيطرة بعد سلسلة من الاشتباكات المتصاعدة منذ 5 يناير 2026، حيث شهدت مدينة حلب (خاصة أحياء الأشرفية والشيخ مقصود ذات الغالبية الكردية) اشتباكات عنيفة بين الجيش السوري وقوات قسد، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى مدنيين ونزوح آلاف السكان. 

 الصينية داخل الكنيسة Mugin 

بعد دخول قوات الجيش السوري لمدينة “الطبقة”، أذاعت وكالة الأنباء السورية (سانا) مشاهد وصور تظهر استخدام “قسد” لكنيسة المدينة كمقر عسكري يحتوي غرف اجتماعات، وشبكة أنفاق، ومركزًا لتجهيز الطائرات المسيرة الانتحارية.


كما نشرت الوكالة لقطات من داخل الكنيسة تُظهر عدداً من هذه الطائرات المسيرة.

وبالبحث العكسي عن صور الطائرات الظاهرة في اللقطات، تبين أنها من طراز Mugin-3 صينية الصنع.

وهي طائرة مسيرة من إنتاج شركة Mugin الصينية، و تُستخدم للأغراض المدنية مثل المسح الجوي والتصوير ورسم الخرائط.

كما تتميز بمدى طيران يصل إلى 120 كيلومتراً وقدرة على التحليق بحمولة يصل وزنها إلى 5 كيلوغرامات، مع إمكانية الطيران لمدة تصل إلى ساعتين.
ورغم أنها مخصصة للاستخدامات التجارية، فإنه يمكن تعديلها لأغراض عسكرية من خلال تزويدها بمتفجرات أو معدات استطلاع متقدمة.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التى شوهدت فيها هذه الطائرة خلال الاشتباكات الأخيرة في سوريا. 

فقد ظهرت في لقطات بثتها وكالة “سانا” لاستهداف “قسد” مبنى محافظة
حلب في العاشر من يناير 2026.

كما رُصدت في مقاطع مصورة تداولها الأهالي في محيط مدينة “دير حافر” وهي تتجه الى “حلب”.

يستخدمها حزب العمال الكردستاني 

لا يُعد ظهور هذا النوع من المسيرات جديداً في المنطقة، فحزب العمال الكردستاني يستخدمها منذ عام 2021 في مهاجمة القوات التركية، قبل أن تظهر في ترسانة “قسد”.
ففي 9 يونيو 2021 أُعلن عن إسقاط الجيش التركي لإحدى مسيرات “حزب العمال الكردستاني” المحملة بالمتفجرات، ليتضح عند تحليل الصور أنها طائرة مسيرة من نوع Mugin-3 وهو الطراز صيني الصنع نفسه.


ورغم أننا أثبتنا الهوية الصينية للطائرة المسيرة التي أسقطها الجيش التركي في 2021 وحددنا نوعها، فإننا رصدنا إعادة تداول الصورة ذاتها عبر حسابات تابعة لحزب العمال الكردستاني لاحقًا في عام 2024.
وادّعت الحسابات حينها أنها لمسيرة “بيرقدار” وأضافت العلم التركي عليها لتعزيز هذا الإدعاء.

 وعلى مدى السنوات التالية، أظهرت العديد من المقاطع المصورة هجمات شنها الحزب بهذه المسيرة.

ففي الثامن من يوليو 2024 هاجم الحزب القوات التركية في منطقة “زاب” الواقعة على الحدود التركية العراقية باستخدام الطائرة المسيرة نفسها. 



وفي السادس والعشرين من يوليو 2024 أعلن الحزب استهداف القوات التركية في منطقة “ميتنا” قرب الحدود العراقية التركية، وبتحليل المقطع المرفق، اتضح أنهم استخدموا المسيرة ذاتها.
 

وفي السابع عشر ديسمبر 2024 أعلن “حزب العمال الكردستاني” استهداف القوات التركية في منطقة “گيريه بهار” في شمال العراق، وظهرت المسيرة بذيلها المميز ضمن اللقطات التي نُشرت للاستهداف. 

المسيرة في الصراع الروسي – الأوكراني

لم يقتصر استخدام هذا النوع من الطائرات المسيرة في القتال على الساحة السورية.
ففي السادس عشر من مارس 2023، أعلن الجيش الأوكراني عن إسقاط طائرة مسيرة روسية في منطقة دانيتسك. وبعد فحص بقايا المسيرة ومقارنتها بصور المسيرات محل البحث، تبين أنها أيضًا من من طراز Mugin-5.

كما رُصدت المسيرة ذاتها في الثاني والعشرين من يونيو 2022 في مقطع مصور يوثق هجومًا شنته القوات الأوكرانية على مصفاة للنفط داخل الأراضي الروسية.

وعلى الجانب الآخر، أعلن الجيش الروسي في مطلع مارس 2023 عن إسقاط إحدى المسيرات أثناء مهاجمتها لجزيرة القرم.
وبتحليل صورها، اتضح أنها من طراز Mugin-5 أيضا.


وتعليقا على هذا الاستخدام العسكري الواسع، أعلنت الشركة المُصنّعة لاحقًا وقف تصديرها إلى كل من روسيا وأوكرانيا، مؤكدةً أن منتجاتها مُصممة حصريًا للاستخدامات المدنية فقط.


لكن ظهورها في سوريا، حيث يستمر النزاع منذ أكثر من عشر سنوات، يثير تساؤلات حول فاعلية هذه القيود وآليات تهريب التقنية إلى مناطق الصراع.

مسيرة من نوع أخر 

بينما صُممت Mugin للهجمات بعيدة المدى، مثل التي تنطلق من مناطق مثل “دير حافر” لتصل إلى أهدافها في “حلب” على بعد 50 كيلو متر، فقد أسقط الجيش السوري في حلب نوعاً آخر من الطائرات المسيرات الانتحارية قصيرة المدى. 

ففي السابع من يناير 2026 وبينما كانت “قسد” ما  تزال تسيطر على مناطق في وسط “حلب” مثل حي الأشرفية والشيخ مقصود، أعلن الجيش السوري عن إسقاط مسيرة كانت تستهدف الأحياء المجاورة لتلك المنطقة.

كما شوهدت الطائرة المسيرة لاحقا في أحد مقرات “قسد” في مدينة “الطبقة” بعد تحريرها.

وفي الثامن عشر من يناير 2026 أعلن الجيش السوري إسقاط إحدى مسيرات “قسد” قرب “سد تشرين” الواقع في مدينة حلب، وبتفحصها اتضح أنها الطراز ذاته.



وظهر استخدام “قسد” للطائرات المسيرة الانتحارية في العديد من المقاطع التي بثتها وتظهر وهي تستهدف سيارات القوات السورية وآلياتها.  



وبالبحث العكسي عن هذه المسيرة اتضح أنها مسيرة صينية الصنع من نوع “Foxeer Aura 10” 

منتج تجاري على خطوط النار

تعتمد المسيرة “Foxeer Aura 10” على هيكل من ألياف الكربون T700 بقاعدة عجلات 440 ملم، كما تدعم أنظمة نقل الفيديو عالية الدقة ، وتُستخدم تجارياً للتصوير الجوي ، لكن يمكن تعديلها بسهولة لحمل حمولات خفيفة وتحويلها لأغراض أخرى نظراً لتوفرها التجاري وقابليتها للتعديل.

وبتتبع شركة “Foxeer Technology LTD” المصنعة للمسيرة، تبين أنها توفر قطع غيار لمسيرات ظهرت في مناطق الصراع.، بالرغم من إعلانها أن منتجاتها خاصة بالاستخدام المدني فقط. 

إذ كشف البحث المعمق أن المسيرة الروسية “DELTA – CBTS.611000” تحتوي كاميرا من إنتاج الشركة ذاتها.

ولم تكن هذه الحالة الوحيدة، فقد رصدنا منشوراً لوزارة الدفاع الليتوانية على منصة X يستعرض حصول الجيش الليتواني على أكثر من 2300 مسيرة، مع التزامه بإرسال 5000 مسيرة إلى أوكرانيا. و بفحص المسيرات الظاهرة في المنشور، تبين احتوائها كاميرات من إنتاج “Foxeer” أيضاً.

لم تكن المسيرات التي التزمت “ليتوانيا” بإرسالها الى أوكرانيا وحدها مزودة بهذه الكاميرات. إذ أظهر البحث المعمق استخدامها بشكل واسع في الجيش الأوكراني. وبتحليل إحدى الوثائقيات التي أصدرها الإعلام الأوكراني عن المسيرات المستخدمة في الجيش، رصدنا هذه الكاميرا مثبتة على واحدة من تلك المسيرات.

وبالعودة إلى “Foxeer Aura 10” وبتتبع تواجدها في الشرق الأوسط تبين أن حزب العمل الكردستاني استخدم الطراز نفسه في هجمات استهدفت القوات التركية قبل قرابة العام.

وبمزيد من التقصي حول امتلاك “قسد” و”حزب العمال الكردستاني” للمسيرة “Foxeer Aura 10” توصلنا إلى مجموعة تيليجرام تدعى
“Drones For Rojava” وهي مجموعة تخص ما يعرف بالإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.

و تُعد الإدارة الذاتية كيانًا سياسيًا أُعلن تشكيله عام 2013 في المناطق الخاضعة لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية (قسد)” بشمال شرق سوريا. وتتبنى الإدارة أيديولوجية “الكونفدرالية الديمقراطية” لعبد الله أوجلان مؤسس حزب العمال الكردستاني.

وبالاطلاع على ما نُشر داخل المجموعة، تبين أنها منصة لحشد التبرعات بهدف تمويل شراء المسيرات. و لإثبات جدية الحملة، نشر القائمون على المجموعة عددًا من الصور والمقاطع المصورة لمسيرات تستخدمها الإدارة الذاتية وتُجري عليها تعديلات تقنية، مع طمس أجزاء حساسة من المسيرات لإخفاء طرازها ومواصفاتها، حيث كتبت على إحداها مسيرة ” شهيد هارون”

لكن بتحليل الصور ومقارنتها بما اكتُشف بالفعل خلال التحقيق، اتضح أنها مسيرة “Foxeer Aura 10”



كما رصدنا صورة تُظهر مقاتلًا يمسك بوحدة تحكم لاسلكية – طمست أغلب أجزائها- لتشغيل المسيرات ويظهر في الشاشة التي أمامه ما يبدو أنه هجوم بالمسيرة على إحدى السيارات.



وبالبحث المعمق عن وحدة التحكم ومطابقة الأجزاء التي ظهرت منها، اتضح أنها من طراز “TX12 Mark II Radio Controller”.

كما تبين بالبحث أنها من إنتاج شركة “”Radiomaster الصينية.
وهي شركة متخصصة في تصنيع وحدات التحكم اللاسلكي للمسيّرات والطائرات بدون طيار بتقنية مفتوحة المصدر.
ونظرًا لأسعارها المنخفضة وقابليتها للتعديل، أصبحت منتجاتها شائعة في السوق المدني.

ولتأكيد إمكانية استخدام هذه الوحدة مع مسيرة “Foxeer Aura 10″، بحثنا حول التوافق التقني بين الجهازين. وكشف البحث أن المسيرة تحتاج إلى تركيب قطعة إضافية تُسمى “جهاز استقبال ELRS” (EP/RP ELRS receivers) تُشترى بشكل منفصل، وذلك لتحقيق التوافق الكامل مع وحدة التحكم TX12 Mark II. 

وبفحص مسيرات “Foxeer Aura 10”  التى ظهرت مع “قسد ” “وحزب العمال الكردستاني ” تبين احتوائها على تلك القطعة. 

تدريب أوكراني محتمل

بالعودة للمقطع الذي ظهرت فيه المسيرة في “الطبقة”, لوحظ تجهيز إحدى المسيرات بألياف ضوئية (Fiber Optic)، مماثلة لتلك المستخدمة في المسيرات الأوكرانية للتوجيه والتحكم عن بعد.

وهي تقنية ظهرت لأول مرة في الصراع الروسي – الأوكراني للتحكم بالطائرات المسيرة عبر الألياف الضوئية بدلاً من الإشارات اللاسلكية التقليدية، لتجنب التشويش الإلكتروني.

وكانت وثيقة استخبارية أمريكية مسربة قد كشفت في أبريل 2023 أن إدارة الاستخبارات العسكرية الأوكرانية طورت خططًا لشن هجمات سرية على القوات الروسية ومرتزقة فاغنر في سوريا، بالتعاون مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد).


وثيقة أمريكية سرية كشفتها واشنطن بوست عن خطة أوكرانية لاستخدام قسد في ضرب الأهداف الروسية في سوريا.

وأشارت الوثيقة إلى أن الضباط الأوكرانيين فضلوا استخدام الطائرات المسيرة لضرب الأهداف الروسية، وأن “قسد” طلبت مقابل ذلك تدريبًا على الطائرات المسيرة، مع ضمان بقاء دورها سريًا.
إلا أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أوقف التخطيط لهذه العمليات في ديسمبر 2022، حسب ما نشرته صحيفة “واشنطن بوست”.

وفي أغسطس 2024، نفت السفارة الأوكرانية في العراق بشكل قاطع هذه التقارير، واصفة إياها بـ”معلومات مضللة صريحة لا أساس لها من الصحة”، مؤكدة أن أوكرانيا “لم تقم ولا تقوم بأي أنشطة تتعلق بتدريب مسلحين أو إنتاج طائرات مسيرة للاستخدام غير القانوني خارج أراضيها”.
لكن تشابه التقنية يطرح تساؤلات عما إذا كانت هذه الخطط قد توقفت فعلاً كما أُعلن، أم أنها استمرت بأشكال مختلفة.

يؤكد التطابق في المكونات التقنية الرابط بين ترسانتي حزب العمال الكردستاني وقوات سوريا الديمقراطية. وبالإضافة إلى ذلك، فالمسيرات الصينية المدنية من طرازي Mugin وFoxeer التي رصدناها في سوريا، ظهرت أيضاً في أوكرانيا وروسيا. وهذه المنتجات المصممة للاستخدام التجاري والمدني، تُحوّل بسهولة إلى أسلحة فتاكة وتصل إلى ساحات القتال رغم تأكيدات الشركات المصنعة على الاستخدام المدني فقط.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts