في مساء الثلاثاء الثالث والعشرون من ديسمبر 2025، لقي رئيس الأركان العامة للجيش الليبي الفريق أول محمد علي الحداد، وأربعة من مرافقيه مصرعهم في تحطم طائرة خاصة أثناء رحلة عودتهم إلى طرابلس بعد زيارة رسمية إلى أنقرة.
وقال رئيس الوزراء الليبي، عبدالحميد الدبيبة في بيان إن الفريق محمد علي الحداد قُتل مع أربعة من مرافقيه في “حادث مأساوي”، وحدد الدبيبة هوية القتلى الأربعة الآخرين وهم: رئيس أركان القوات البرية اللواء الفيتوري غريبيل، ومدير هيئة التصنيع العسكري العميد محمود القطيوي، ومستشار رئيس أركان الجيش الليبي محمد العساوي دياب، ومصور المكتب الإعلامي محمد عمر أحمد محجوب.

رئيس الأركان العامة للجيش الليبي، الفريق أول محمد علي الحداد
وأعلن وزير الداخلية التركي “علي يرلي كايا” في تغريدة على منصة “إكس” العثور على حطام الطائرة التي كانت تقلّ رئيس أركان الجيش الليبي، والتي فُقد الاتصال بها بعيد إقلاعها من أنقرة مساء الثلاثاء. وقال الوزير التركي إنّ “حطام الطائرة التي أقلعت من مطار أنقرة-أسنبوغا متوجّهة إلى طرابلس، عثرت عليه قوات الدرك على بُعد كيلومترين جنوب قرية كسيكَفاك، في قضاء “هايمانا” الواقع على مسافة نحو خمسين كيلومترا إلى جنوب شرق العاصمة التركية.

وفي أحدث تصريح، أعلن “كايا” عبر تغريدة على منصة “اكس” عن عثور فرق مديرية مركز التحقيق في سلامة النقل التابع لوزارة النقل والبنية التحتية في موقع الحطام، على مسجل صوت الطائرة في تمام الساعة 02:45، والصندوق الأسود في تمام الساعة 03:20.

بالبحث عن الرحلة التي كان الطاقم الليبي يستقلها، نجد أنهم كانوا على متن الرحلة رقم HMJ18 المتوجهة من أنقرة إلى طرابلس، في طائرة رجال أعمال من طراز: Falcon 50، وهي طائرة فرنسية الصنع، أنتجتها شركة داسو للطيران في سنة 1976.

وبالاطّلاع على سجلّ تحركات الطائرة خلال الأسبوع الماضي، يتضح أنها نفّذت سلسلة رحلات متعدّدة إلى وجهات مختلفة، غالبيتها في العالم العربي؛ إذ حطّت في تشاد وأبوظبي وجنوب السودان ومصر، كما زارت مالطا وأنقرة، قبل أن تتجه إلى طرابلس في رحلتها الأخيرة قبل أن تتحطم في الطريق إليها؟

وفي تغريدة نشرها وزير المواصلات والبنية التحتية التركي “عبدالقادر أورال أوغلو” على منصة إكس، قال فيه: أن الطائرة المنكوبة كانت أبلغت مركز المراقبة الجوية بوجود عطل كهربائي بها وطلبت هبوطا اضطراريا، وأشار إلى أن مركز مراقبة الحركة الجوية أعاد توجيه الطائرة إلى مطار أسن بوغا، لكن الطائرة بدأت بالهبوط الاضطراري، قبل أن تختفي من على شاشات الرادار.
يحفل سجل هذا الطراز من الطائرات Falcon50 بوقائع حوادث متعددة، انتهى بعضها بتضرّر الطائرة، فيما أسفر بعضها الآخر عن سقوطها وتحطمها بالكامل. غير أن معظم هذه الحوادث لم تك نتيجة خلل تصنيعي أو عطل تقني جوهري، بل ارتبطت جميعها بعوامل بشرية، كأخطاء طاقم الطائرة أو طواقم التشغيل في المطارات أو بحوادث إسقاط قسري بعد استهدافها عسكريًا.
ففي العاشر من نوفمبر 1985 وقع تصادم جوي فوق مطار تيتربورو (Teterboro) بولاية نيوجيرسي بين طائرة رجال أعمال من طراز داسو فالكون 50 (Dassault Falcon 50) تابعة لشركة Nabisco أثناء محاولتها الهبوط، وطائرة تدريب خفيفة من طراز بايبر PA-28 (Piper Archer) كانت تعبر مجال المطار من الغرب إلى الشرق.
وقع الاصطدام على ارتفاع يقارب 1500 قدم فوق سطح البحر، وسقطت الطائرتان في منطقتين سكنيتين (Fairview وCliffside Park)، ما أدى إلى مقتل جميع من كانوا على متن الطائرتين (5 أشخاص) إضافة إلى وفاة شخص على الأرض وإصابة آخرين. وخلص تحقيق المجلس الوطني لسلامة النقل الأمريكي NTSB إلى أن السبب يرجع أساسًا إلى خلل في التنسيق بين مراقبي الحركة الجوية وتقديم معلومات مضللة أو غير كافية، ما أعاق الرؤية لدى طاقم الفالكون مع اقتراب الظلام.
وفي السادس أبريل من 1994 بالقرب من مطار كيغالي في رواندا، استُهدفت طائرة داسو فالكون 50 (Dassault Falcon 50) تقل على متنها الرئيس “الرواندي جوفينال هابياريمانا” ورئيس بوروندي “سيبريان نتارياميرا” بصاروخ أرض جو، ما أسفر عن مقتل كلا الزعيمين و10 أشخاص آخرين كانوا على متن الطائرة.
وفي أكتوبر 2014 دُمّرت طائرة رجال أعمال من طراز داسو فالكون 50 (Dassault Falcon 50) التابعة لـ CABI Airlines وهي متوقفة داخل حظيرة بالمطار؛ إذ التهمتها النيران بالكامل نتيجة المعارك العنيفة في مطار دونيتسك (DOK) شرق أوكرانيا.
في نفس الشهر أكتوبر 2014 لقي “كريستوف دو مارجيري” الرئيس التنفيذي لشركة الطاقة الفرنسية توتال (Total) مصرعه في حادث طيران، فبينما كانت طائرته من طراز داسو فالكون 50 (Dassault Falcon 50) تستعد للإقلاع من مطار موسكو–فنوكوفو، في ظروف جوية غير مناسبة، اصطدمت خلال مرحلة تسارع الإقلاع بمركبة لإزالة الثلوج كانت على المدرج؛ ما أدى إلى فقدان السيطرة وتحطم الطائرة واحتراقها، لتنتهي الواقعة بوفاة جميع من كانوا على متنها.
أما في السابع والعشرين من سبتمبر 2018 تعرّضت طائرة رجال أعمال من طراز داسو فالكون 50 (Dassault Falcon 50) لحادث خروج عن المدرج أثناء مرحلة الهبوط في مطار غرينفيل داونتاون (Greenville Downtown/GMU) بولاية ساوث كارولاينا؛ حيث هبطت الطائرة هبوطًا طبيعيًا على المدرج، لكنها لم تتوقف إلا بعد الاصطدام؛ ما أسفر عن وفاة الطيارين وإصابة راكبين بإصابات خطيرة.
وخلصت هيئة سلامة النقل الأمريكية (NTSB) إلى أن السبب المرجّح يرتبط بقرار المشغّل تسيير الرحلة رغم وجود مشكلات صيانة في نظام الكبح، إضافة إلى إخفاق الطاقم في تهيئة الطائرة لاستخدام نظام الكبح الاضطراري لإيقافها ضمن المسافة المتاحة بعد تعطل الكبح العادي.
فقد ارتبطت أغلب حوادث الطائرات من هذا الطراز بعوامل بشرية، سواءً أخطاء بشرية من طاقم الطائرة، أو قصورًا في إجراءات طاقم المطار، أو حوادث إسقاط قسري نتيجة استهداف عسكري. وليس بأعطال فنية جسيمة أو عيوب تصنيع قاتلة، مثلما حدث في طائرة رئيس اركان الجيش الليبي في الاجواء التركية.
شركة التشغيل.. سجل مثقل بالمخالفات وسمعة تثير التساؤلات

وفقا لمنصة تتبع الطائرات FlightRadar24، تشغل الطائرة شركة Harmony Jets هارموني جيتس، وهي شركة طيران متخصصة بتأجير طائرات رجال الأعمال، مسجلة في “مالطا” وتحمل شهادة مشغل جوي (AOC) أوروبية ما يمنحها القدرة على العمل بحرية داخل المجال الجوي الأوروبي والدولي.

تأسست الشركة عام 2017، وتشغل حاليًا أسطولًا من خمسة طائرات داسو، ثلاثة منهم طائرات من طراز فالكون 100، وطائرة واحدة من طراز فالكون 900، وطائرة واحدة من طراز فالكون 50. أصدرت الشركة بيانا بعد حادثة تحطمها،أعلنت فيه انتظارها لنتائج التحقيق الرسمية.

وبالبحث المعمق عن الشركة المشغلة، توصلنا إلى أنها مسجلة رسميا في مالطا تحت اسم: HARMONY JETS LIMITED واسمها السابق AS AILES LTD. ويقع مقرها الرئيسي في مدينة بيركيركارا Birkirkara المالطية.

وتشارك الشركة بشكل دوري في مؤتمرات وفعاليات في طرابلس الليبية، كما يظهر عبر حساب الشركة الرسمي على منصة (انستجرام)؛ حيث يشارك المدير التنفيذي للشركة بنفسه في تلك الفعاليات.

أما الرئيس التنفيذي للشركة فهو بيير أوليفييه إدوارد PIERRE OLIVIER EDOUARD، وهو رجل أعمال فرنسي من مواليد مارس ١٩٦٨. عمل في الفترة بين نوفمبر ٢٠٠٩ ومارس ٢٠١٢ مديرا لشركة كارجولوكس الرائدة في مجال الشحن الجوي، وفق سجلات الحكومة البريطانية:


كما ظهر اسمه في تسريبات “أوراق الجنة Paradise Papers” الخاصة بالشركات المسجلة في ملاذات ضريبية لإدارة الأموال والأصول مرتبطا بنفس الشركة، لكن باسمها السابق AS AILES LTD


كما يمتلك ويدير مجموعة شركات مختلفة، أهمها شركة HPO France Sàrl وهي شركة قابضة مقرها فرنسا، تختص بالاستثمار والتطوير وإدارة الأصول العقارية، وتستحوذ على شركة Harmony Jets بنسبة 99.9%

في إحدى مقالاته المنشورة على الموقع الرسمي للشركة، كتب: “إن طائراته غالبًا ما تطير إلى وجهات لا يرغب مشغّلون آخرون في الوصول إليها”، موضحًا أن شركة “هارموني” راكمت خبرة واسعة في شمال أفريقيا، لا سيما ليبيا والجزائر وتونس والمغرب بوصفها وجهات رئيسية، إلى جانب تشغيل رحلات في مناطق أخرى من أفريقيا والشرق الأوسط مثل النيجر وتشاد والغابون والكونغو، وكذلك دبي والبحرين والمملكة العربية السعودية ولبنان وإسرائيل واليمن.
وأضاف إدوارد أن الشركة عملت في اليمن، كأول مشغّل في الاتحاد الأوروبي ينفّذ رحلة جوية إلى اليمن منذ سنوات. كما أشار إلى تنفيذ رحلات تربط إسرائيل بـالمغرب وليبيا بما يشمل بنغازي وطبرق وطرابلس وزوارة ، مؤكدًا أن هذا النوع من العمليات يُعدّ جزءًا من نشاط الشركة المعتاد.
يتوافق هذا النشاط مع اتهامات طالت الشركة العام الماضي، ففي السادس من ديسمبر 2024، نشر فريق الخبراء المعني بليبيا التابع لمجلس الأمن تقريرا ورد فيه اسم “Harmony Jets” كشركة انتهكت قرارات مجلس الأمن، بعد ثبوت تورطها في أنشطة مخالفة لنظام العقوبات الدولي.

فووفقا للتقرير قامت الشركة بتسيير رحلات جوية منتظمة إلى ليبيا، وقدمت خدمات نقل لمدربين تابعين لشركة Irish Training Solutions عبر 47 رحلة سيرتها إلى بنغازي لصالح قوات مرتبطة ب”خليفة حفتر” بين أغسطس 2023 وسبتمبر 2024، معظمها قادم من مدن أوروبية، دون الالتزام بالفقرتين 19 و20 من قرار مجلس الأمن رقم 2701 (2023)، اللتين تلزمان الكيانات بالتعاون الكامل مع لجان العقوبات وتقديم المعلومات المطلوبة.

وبحسب تقرير لجنة الخبراء، فإن كامل أسطول “Harmony Jets” (الـطائرات الخمسة) شارك في تسيير هذه الرحلات ومنهم الطائرة المنكوبة المسجلة برمز9H-DFS .


كما تواجه الشركة اتهامات أخرى، بعدما نشر موقع Blacklist.aero في أكتوبر 2024 مقالا ذكر فيه أنه في 8 يونيو 2024 سُجّلت نتيجة اختبار مخدرات إيجابية لأحد طياري الشركة -قائد طائرة فالكون 100 إتش دا سيلفا- خلال فحص أُجري له في إيبيزا، وبحسب ما نُشر فقد أظهر الاختبار تعاطيه مواد محظورة شملت “الكوكايين” و”الماريجوانا”.
وأشار الموقع إلى أن الشرطة الفرنسية احتجزت طائرة فالكون 50 ذات رقم التسجيل 9H-DFS والتي تحطمت بالأجواء التركية، في مطار ليون على خلفية الاشتباه في نقل الطائرة لمواد ذات استخدام مزدوج ومواد عسكرية من بينها طائرة بدون طيار وأسلحة خفيفة بشكل منهجي إلى بنغازي (وهو نفس الاتهام تقريبا الذي أثبته تقرير الخبراء التابع للأمم المتحدة). ووفقًا للرواية المنشورة، بقيت الطائرة محتجزة لمدة خمسة أشهر دون تصريح طيران، ولم يصدر عن الشركة أو رئيسها أي تعليق.

فعبر تتبع أنشطة شركة Harmony Jets المشغلة للطائرة، يتضح أنها تورطت وأسطول طائرتها في عدة رحلات مشبوهة ارتبط ب”خليفة حفتر” الخصم السياسي والعسكري لحكومة طرابلس ينتمي إليها ضحايا الطائرة المنكوبة.