منصة عربية تكشف الحقيقة عبر تحليل المصادر العلنية ورسم شبكات العلاقات باستخدام أدوات OSINT الحديثة.

حقول تقود الجبهات: كيف شكّل النفط اتجاهات الدعم السريع العسكرية

حقول تقود الجبهات: كيف شكّل النفط اتجاهات الدعم السريع العسكرية

في 8 ديسمبر 2025، أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها على حقل “هجليج” النفطي الاستراتيجي بولاية غرب كردفان، وهو أحد أهم مراكز معالجة الخام في السودان، ومنشأة محورية تربط حقول السودان وجنوب السودان بشبكة التصدير إلى البحر الأحمر. وتمثل هذه الخطوة تحولًا بالغ الأهمية في مسار الصراع مع الجيش السوداني، نظرًا للدور الحيوي الذي يلعبه هجليج في إنتاج وتصدير النفط.

جاءت السيطرة عقب سقوط اللواء 90، آخر مواقع الجيش في الولاية، وانسحاب القوات النظامية وعمال النفط إلى داخل دولة جنوب السودان التي تبعد عن البئر ١٥ كيلومترا فقط. وبذلك أعلن الدعم السريع إحكام سيطرته الكاملة على ولاية غرب كردفان. ووفق إفادة مهندس بالحقل لوكالة الأناضول، يبلغ إنتاج هجليج نحو 22 ألف برميل يوميًا.

لم تكن السيطرة على “هجليج” حدثًا منفصلًا، بل تتويجًا لاستراتيجية ممنهجة اتبعتها قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، استهدفت السيطرة على البنية التحتية النفطية في السودان.
ويُظهر هذا التقرير عبر تتبع زمني وجغرافي استمر لعامين ونصف، أن حقول النفط ومنشآت الإنتاج والتصدير كانت أهدافًا استراتيجية في تحركات المليشيا، وليست مكاسب عرضية.
فمع بداية الحرب في أبريل ٢٠٢٣، تحركت قوات الدعم السريع لتسيطر على مصفاة الخرطوم في مدينة بحري شمال شرقي العاصمة، في إشارة مبكرة لنوايا المليشيا تجاه القطاع النفطي. ولفهم أهمية هذه التحركات، يجب النظر إلى خريطة توزيع الثروة النفطية في السودان.

 بحسب الخرائط المنشورة من وزارة الطاقة والبترول السودانية، يتركز النفط السوداني بشكل رئيسي في إقليم دارفور وولاية غرب كردفان ضمن المربعات النفطية أرقام 4 و6 و17، التي تحتوي على حقول استراتيجية مثل “هجليج” و”بليلة” و”الخرصانة” و”دفرا”، وحقول “سفيان” و”شارف” و”الطرافية” و”زرقة أم حديدة” و”نيم” و”الفولة”.

بينما كانت المعارك مستمرة في العاصمة الخرطوم، كانت قوات الدعم السريع تتحرك نحو مناطق الإنتاج النفطي في ولايتي دارفور وغرب كردفان.

ففي 30 أكتوبر 2023، وبعد سبعة أشهر من اندلاع الحرب، تقدمت قوات الدعم السريع بقيادة “حسين برشم” من منطقتي أبو زبد وكازقيل، وسيطرت على حقل بليلة النفطي ومطاره بولاية غرب كردفان.  ويقع الحقل ضمن المربع النفطي (6)، بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 16 ألف برميل يوميًا.

هدفت هذه السيطرة إلى التحكم في إمدادات النفط المنقولة من خليج هجليج إلى مصفاة الجيلي بالخرطوم. فأنابيب النفط التي تمر من حقل هجليج إلى مصفاة النفط في الخرطوم تمر عبر حقل “بليلة”.
علاوة إلى أن السعة التخزينية للحقل تقدر بنحو 1.300 مليون وثلاثمائة ألف برميل نفط من الخام الثقيل.




بالتزامن مع سيطرتها على حقل “بليلة”، وسّعت قوات “الدعم السريع” نطاق انتشارها في إقليم دارفور، وأعلنت سيطرتها على مدينتي نيالا وزالنجي، الواقعتين على تخوم المربعين النفطيين (6 و17)، في خطوة عززت حضورها قرب مناطق الإنتاج.

وبعد أقل من شهر، وتحديدًا في 21 نوفمبر 2023، أعلن الدعم السريع سيطرته على مقر الفرقة 20 مشاة في “الضعين”، ما مثّل الحسم العسكري لولاية شرق دارفور ووضعها بالكامل تحت قبضته.

ومع سقوط الولاية، انتقلت السيطرة فعليًا إلى 23  بئرًا نفطية موزعة على حقول سفيان وشارف والطرافية وزرقة أم حديدة, الأمر الذي منح المليشيا نفوذًا مباشرًا على جزء مهم من إنتاج النفط السوداني.




لم تقتصر السيطرة على الحقول فحسب، بل اتهم ناشطون وشهود عيان عناصر من قوات الدعم السريع بتهريب ونقل خام البترول من حقل سفيان شرق مدينة الضعين عبر ناقلات وقود إلى دولة تشاد. تطابقت رواية شهود العيان مع إفادات مصدر عسكري قال لموقع “دارفور24” إن خام البترول المنهوب من حقل سفيان يذهب إلى دولة تشاد عبر معبر أديكونق بولاية غرب دارفور. هذه الاتهامات تشير إلى أن الدعم السريع لم تكتف بالسيطرة على الحقول لأغراض استراتيجية فحسب، بل بدأت في استغلالها تجارياً عبر شبكات تهريب عبر الحدود، مما يوفر لها تمويلاً مستمراً لعملياتها العسكرية.

غرب كردفان
لم تتوقف قوات الدعم السريع عند سيطرتها على 23 بئرًا نفطيًا في ولاية شرق دارفور، ولا عند حقل بليلة، ثاني أكبر حقول النفط في السودان بعد هجليج. بل انتقلت محاولة السيطرة على ولاية غرب كردفان، القلب النابض للصناعة النفطية السودانية.

وتكتسب ولاية غرب كردفان أهمية استراتيجية لكونها تتقاطع مع ولاية شرق دارفور في المربعين النفطيين (6 و17)، بينما تنفرد بالمربع النفطي رقم (4)، وهو من أكثر مربعات السودان إنتاجًا. وتحتضن الولاية أبرز الحقول النفطية في البلاد، وفي مقدمتها هجليج وبليلة والفولة ونيم والخرصانة ودفرا.

بعد سبعة أيام فقط من سيطرته على “الضعين” وحقول النفط في شرق دارفور، أعلن الدعم السريع في 26 نوفمبر 2023 سيطرته على مدينة “المجلد”، إحدى كبرى مدن ولاية غرب كردفان.
وتُعد المجلد، إلى جانب مدينتي الفولة وبابنوسة، من المراكز الحضرية الرئيسية في الولاية، وتحفّ بها عدة حقول نفطية مهمة.
وبعد إحكام السيطرة على “المجلد”، حاولت قوات الدعم السريع السيطرة على مدينة بابنوسة، إلا أن المحاولة باءت بالفشل، ما دفعها إلى فرض حصار طويل الأمد بدأ في 22 يناير 2024، لم يُرفع إلا بسقوط المدينة في 1 ديسمبر 2025.

وفي سياق استكمال الطوق النفطي حول الولاية، سيطر الدعم السريع في مارس 2024 على حقل “دفرا” لإنتاج النفط، ورافق ذلك تصعيد في الخطاب والتهديدات بالتقدم نحو حقل هجليج، الذي يبعد نحو 100 كيلومتر فقط، في مؤشر واضح على المرحلة التالية من خطة السيطرة.





وفي 21 يونيو 2024، أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها على مدينة الفولة، عاصمة ولاية غرب كردفان، في خطوة عززت قبضتها الإدارية والعسكرية على الولاية. وتزامن ذلك مع السيطرة على عدد من حقول النفط الكبرى في محيط المدينة، وفي مقدمتها حقول الفولة، ما منح المليشيا نفوذًا مباشرًا على جزء مهم من البنية الإنتاجية بالمنطقة.


وفي محاولة للسيطرة على الحقل الأكبر في السودان حقل “هجليج”، سيطرت قوات الدعم السريع في 26 نوفمبر 2024 على منطقة “الخرصانة” وحقلها النفطي، الذي لا يبعد سوى 30 كيلومترًا عن حقل هجليج.


وتُعد الخرصانة موقعًا استراتيجيًا ضمن شبكة الإمداد النفطي الممتدة إلى هجليج، الأمر الذي جعل السيطرة عليها خطوة مفصلية في مسار تطويق الحقل الأكبر في البلاد.

وفي تأكيد لنوايا قوات الدعم السريع في المنطقة، صرح مستشار قوات الدعم السريع، “الباشا طبيق”، قائلاً: “تحرير منطقة الخرصانة الاستراتيجية بولاية غرب كردفان، يعني فصل منطقة هجليج الغنية بالبترول، وتحريرها أصبح مسألة وقت ليس إلا، وبذلك تكون كل حقول البترول في السودان بيد قوات الدعم السريع”. 

بعد السيطرة على “الفولة” و”المجلد” اكتمل الطوق العسكري حول مدينة “بابنوسة” ، آخر معاقل الجيش السوداني في ولاية غرب كردفان. فمع قطع طرق الإمداد وعزل المدينة عن محيطها، دخلت بابنوسة مرحلة حصار طويل الأمد، استُنزفت خلاله القوات النظامية تدريجيًا، في وقت كانت فيه قوات الدعم السريع تُحكم سيطرتها على المدن والحقول النفطية المحيطة.

وفي 1 ديسمبر 2025، انهارت دفاعات الجيش داخل بابنوسة، ما أدى إلى انسحاب القوات النظامية وسقوط المدينة بيد قوات الدعم السريع. وبسقوط بابنوسة، أصبحت جميع الحقول النفطية في ولاية غرب كردفان تحت سيطرة المليشيا، باستثناء حقل هجليج، الذي ظل محميًا بوجود عسكري محدود.

غير أن هذا الوضع لم يستمر طويلًا. ففي 8 ديسمبر 2025، أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها على حقل هجليج النفطي، بعد سقوط اللواء 90، آخر مواقع الجيش في الولاية، وانسحاب القوات النظامية وعمال النفط إلى داخل دولة جنوب السودان. وبذلك، اكتملت سيطرة قوات الدعم السريع على أهم حقول النفط السودانية ومراكز إنتاجها ومعالجتها، في تحول مفصلي نقل السيطرة من المعركة العسكرية إلى التحكم في المورد الاقتصادي الأهم في البلاد.

خلصنا في هذا التحقيق إلى أن سيطرة قوات الدعم السريع على الحقول النفطية في السودان جاءت نتيجة مسار متدرج ومخطط له، استهدف البنية التحتية للطاقة منذ المراحل الأولى للحرب. فمن مصفاة الخرطوم، مرورًا بالحقول المنتجة في شرق دارفور وغرب كردفان، وصولًا إلى حقل هجليج، تُظهر الوقائع الميدانية أن النفط كان حاضرًا بوصفه هدفًا مباشرًا في التحركات العسكرية، لا نتيجة جانبية لها.

ويبيّن التتبع الزمني والجغرافي أن سقوط المواقع العسكرية والمدن لم يكن منفصلًا عن مواقع الإنتاج، بل جاء في كثير من الأحيان بعد إحكام السيطرة على الحقول المحيطة بها. كما تشير الشهادات والمصادر التي رصدناها خلال التقرير إلى بدء استغلال بعض الحقول خارج الأطر الرسمية، بما في ذلك اتهامات بتهريب الخام عبر الحدود، وهو ما يفتح أسئلة جدية حول مصير الموارد السيادية في ظل استمرار النزاع.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Related Posts