في أعقاب سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، وثّقت منظمات دولية ووكالات الأمم المتحدة ارتكاب عناصر “الدعم السريع” لعمليات قتل جماعي راح ضحيتها مدنيين من سكان مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، كما أعلنت “شبكة أطباء السودان” قيام قوات الدعم السريع خلال الأيام الماضية بجمع مئات الجثث من شوارع وأحياء المدينة، دُفنت بعضها في مقابر جماعية، وأُحرقت أخرى بالكامل في محاولةٍ لإخفاء آثار الجرائم ضد المدنيين.
بالتزامن مع سيطرة قوات “الدعم السريع” على مدينة الفاشر وارتكابها لعدد من الجرائم، ظهر على منصة “إكس/تويتر سابقا” وسم #عودة_الحياة_للفاشر ، هدف إلى الترويج لصورة مغايرة تمامًا عن الواقع.
تضليل الرأي العام
تصدّر وسم #عودة_الحياة_للفاشر قائمة الوسوم الأكثر انتشارا داخل السودان يوم ٥ نوفمبر ٢٠٢٥، إلا أنه ظهر للمرة الأولى مساء يوم الرابع من نوفمبر، وتحديدا بالساعة العاشرة مساء، على حساب يدعى “يوسف المغربي @YAlmghrby71069”


بالتحليل الأولي للحساب تبين أنه تم إنشاؤه في شهر أغسطس ٢٠٢٥ كما أنه يشارك الأخبار السعودية بصفة خاصة٫ وباستخدام أداة TalkWalker توصلنا إلى أنه حساب سعودي
و بمزيد من التحليل لحسابه٫ وجدنا منشورا في ٦ أكتوبر يوجه فيه الحساب بالنشر على حساب “hodajannat24@” فيما يشبه توجيه للجان إلكترونية.
وبمحاولة الوصول الى ذلك الحساب وجدناه معلقا.


وبالبحث استطعنا الحصول على نسخة مؤرشفة من المنشور صاحب الحساب المحذوف.
بتحليل عدد من الحسابات المشاركة تبين أن النسبة الأكبر منها هي حسابات حديثة تحتوي على عدد محدود من المتابعين وليس لها صورة شخصية حقيقية.
و بتحليل المتابعين لتلك الحسابات تبين أنها تتكون من مجموعة طويلة من الحسابات المنشأة حديثا ولها صورة شخصية بالذكاء الاصطناعي٫ وتكررت نفس المجموعة من المتابعين لدى أغلب الحسابات.
لاحظنا ذلك حينما حللنا حساب Fatima @fatima569427 وحساب elhaj@elhaj0893123800
وجدنا أن كلا الحسابين أنشئا في سبتمبر ٢٠٢٥، وتتابعهما نفس الحسابات وينشران في نفس التوقيت ذات المنشورات، مما يعني أن عملية النشر والتحكم في الحسابات هي عملية مؤتمتة، وأكد ذلك أيضا أن معرفات الحسابات تحتوى على أرقام عشوائية مما يوحي أن الحسابات وهمية وهي ليست لشخصيات حقيقية.

وكان الحال هو نفسه في كثير من الحسابات الأخرى التي شاركت في الوسم فمع تحليل
حساب djibril@djibril23929016
وجدنا الحساب أنشئ أيضا في شهر سبتمبر ٢٠٢٥ كما نجد أنه نشر نفس المنشورات

كما لاحظنا اعتماد المشتركين في الوسم على نشر صور مضللة لم تلتقط في مدينة الفاشر أو صور قديمة للإيحاء بأن الحياة تعود لمدينة الفاشر.
فأثناء تحليلنا حساب djadjire@djadgire57579 على سبيل المثال، نجد أنه يشترك مع الحسابات السابقة في وقت إنشائه فقط أنشئ أيضا في شهر سبتمبر كما نلاحظ احتواء معرفه الالكتروني على أرقام عشوائية واشترك مع الحسابات الأخرى في قائمة المتابعين ذوي الصور المصنوعة بالذكاء الإصطناعي أيضا وشاركت في هذا الوسم.
كما أننا لاحظنا استخدامه صور قديمة في محاولة للتضليل والإيهام بعودة الحياة لمدينة الفاشر.
ففي هذا المنشور نجد أنه أرفق بالمنشور صورة تعود لعام ٢٠٢٤ في مدينة الفاشر

و بتحليل حساب آخر يدعى khassi@khassi197015
وجدنا أنه كما الحسابات الأخرى أنشئ في سبتمبر ٢٠٢٥ كما أنه يحمل معرف يشير إلى أن الحساب وهمي
وبتحليل مشاركته في الوسم وجدناه قد استعان بصور مضللة في مشاركته فالصورة الأولى وجدناها قد نشرت في ١٤ سبتمبر، أي قبل الأحداث بشهرين تقريبا، أما الصورة الثانية تعود الى ٢٠٢٤ لأحد الأسواق في الفاشر.

خلصنا من التحليل اليدوي للحسابات المشاركة في ذلك الوسم أن الحسابات الوهمية تحتل النسبة العظمى ضمن المشاركين٫ كما تظهر مؤشرات واضحة على أتمتة النشر وتشابه المحتوى٫ وارفاق صور مضللة مع المنشورات في محاولة للإيهام باستقرار الحياة في الفاشر.
مؤشرات الحملة:
قمنا بتحليل ما يزيد عن 7000 منشور ٫ وصل بهم التفاعل الى 1.8k تفاعل تقريبا مع وصول يتجاوز المليون ونصف.

بعد التغريدة الأولى التي نشرها حساب ” يوسف المغربي” انطلقت العديد من الحسابات تنشر على ذات الوسم مستخدمة محتوى متشابه لتتكون مباشرة موجة سريعة من التغريدات التي تركزت في نطاق زمني ضيق ووصلت الي قمتها الساعة الواحدة صباحا أي بعد ٣ ساعات من التغريدة الأولي.

و بتحليل أكثر الكلمات استخداما في المنشورات كانت أكثر الوسوم المرتبطة بالوسم الأساسي محل البحث
و بتحليل الأماكن الجغرافية للحسابات المشاركة في الوسم توصلنا إلى أن نصف التغريدات تقريبا تم نشرها من حسابات سعودية٫ على عكس الحسابات السودانية نفسها فلم تتجاوز نسبتها ال ٣٪ بما يعدل 251 منشور تقريبا، مما يعني أنها حملة موجهة لا تعكس حقيقة الأمر في السودان.

وكان اللافت هو أن النشر بالحسابات الفرنسية جاءت في المركز الثاني بعد الحسابات السعودية٫ وتجاوزت نسبة المشاركة من هذه الحسابات الحسابات العربية الأخرى مجتمعة. فقد اقتربت نسبة النشر إلى 30% من مجموع المشاركين في الوسم.
و بتحليل بعض الحسابات المشاركة باللغة الفرنسية ظهرت أنها حسابات بأسماء عربية٫ تشترك جميعها في كونها أنشئت في شهر أغسطس الماضي، وبعضها لها نفس الصورة الشخصية وصورة الغلاف٫ كما أن جميعها لا يتجاوز عدد متابعيها ٣ أشخاص.

قمنا بتحليل بعض الحسابات الموثقة التي حصلت على أكثر التفاعل وشاركت في الوسم

فكان أكثر الحسابات تفاعلا “شاهو القرة داغي” صاحب المعرف @shahokurdy
تبين أنه باحث ومحلل سياسي عراقي، متخصص في الشئون السياسية والأمنية.
شارك “شاهو القرة داغي” في الوسم ناشرا إحدى الصور التي تعود الى عام ٢٠١٣ مدينة الفاشر نشرت في صفحة ” ويكليكس-الفاشر “أخبار دارفور”“

الغريب في حسابه أنه غير مهتم ولا يشارك الا بالأخبار التي تتعلق بالعراق، وعلى الرغم من ذلك شارك في ذلك الوسم، النقطة الأخرى هو محتوى مصور نشره على حسابه في ١ نوفمبر ضمن حملة بدأتها الإمارات في عبر منصاتها للتنصل من حساب يدعى “محمود البلوشي”.

الحساب الثاني في القائمة التي تضم أكثر الحسابات تفاعلا ضمن الوسم هو “عمر عبدالستار محمود” وهو قيادي في المجلس الوطني للمعارضة العراقية ورئيس هيئة الصحة في المجلس. @omarabdulsatar
شارك “عمر عبد الستار محمود في الوسم” مرفقا صورة قديمة للفاشر تعود إلى عام ٢٠١٣، الغريب في الأمر، أن الصورة المرفقة مأخوذه من صفحة “ويكيليكس – الفاشر “أخبار دارفور”، وهي ذات الصفحة التي نشرت فيها الصورة التي نشرها “شاهو داغي”.
مما يُوحي بتنسيق في النشر أو جهة واحدة متحكمة في تلك الحسابات.
ما يؤكد تلك الفرضية ما نشره “عمر عبد الستار” وتطابق مع ما نشره “شاهو داغي” وهو المحتوى المصور الذي تتنصل به الإمارات والأذرع الإعلامية لها من حساب “محمود البلوشي” ، كما لاحظنا أيضا تشابه طريقة النشر٬ فقد نشر الحساب الفيديو مباشرة من حسابه وليس إعادة تغريد.

من ضمن أكثر الحسابات تفاعلا ضمن الوسم هو “Raymond Hakim” صاحب المعرف @RaymondFHakim
يعرف عن نفسه بأنه مهتم بالشأن اللبناني والعربي.
شارك “Raymond” في الوسم ناشرا أن الحياة عادت الى الفاشر وأنها حقيقة لمسها الجميع، كما قام بإرفاق صورة لملعب بالفاشر، وبالبحث العكسي تبين أنها صورة قديمة نشرت في عام ٢٠٢٢

المثير في الأمر أنه شارك أيضا فيما شارك فيه “عمر عبدالستار” و “شاهو قرة داغي” فقد نشر على حسابه ذات الفيديو الذي نشراه، نشرا مباشرا وليس إعادة تغريد.
حل في المركز التالي من حيث التفاعل الصحفي اللبناني “طوني بولس” صاحب معرف @tonyBouloss
هو صحفي لبناني يكتب في جريدة Independent Arabia
شارك طوني بولس في الوسم مدعيا أن الأسواق تتنفس وتعود للحياة لكن، بالبحث العكسي للصور تبين أن إحدى الصور تعود الى صفحة ويكليكس-الفاشر “أخبار دارفور” نشرت في ٢٠١٧ والأخرى صورة قديمة أيضا تعود إلى عام ٢٠٢٤
و للتشابه الشديد في المحتوى المنشور بين تلك الحسابات فيما يخص وسم الفاشر و فيديو “محمود البلوشي” حاولنا الوصول لبعض الحسابات التي شاركت أيضا في كل الحملتين.
بالبحث اليدوي توصلنا الى مجموعة من الحسابات الوهمية التي شاركت في النشر ضمن الوسم كما قامت بمشاركة فيديو “محمود البلوشي” من حسابات معروفة.
ظهر أمامنا حساب يدعى هند المزروعي @almezrouei76928 وجدنا أن موقع X قد قام بتقييد الحساب بسبب نشاط غير معتاد.
للحساب معرف يحتوى على أرقام عشوائية مما يوحي بأنه حساب وهمي.
بالدخول الى الحساب تبين أن حساب “هند المزروعي” حساب أنشئ حديثا في يوليو ٢٠٢٥، وشارك في وسم “عودة الحياة للفاشر” كما أن الحساب قام بمشاركة فيديو “محمود البلوشي” من ثلاث حسابات موثقة بالعلامة الزرقاء :
Rami Naim @NAIMRami
Sawsan Mhanna| سوسن مهنّا @SawsanaMehanna
Bassim Alkhazraji @AlKhazraji_75
انتقلنا الى حساب آخر شارك في وسم “عودة الحياة للفاشر” يدعى “ريم عمران ” وله معرف إلكتروني @reem83716
أنشئ الحساب في شهر يونيو وينشر كل ما يخص ولي العهد السعودي” محمد بن سلمان”
شارك الحساب في الوسم مدعيا عودة الحياة للفاشر واستقرار الأسواق فيها، بما يخالف الواقع.
كما أعاد نفس الحساب تغريد فيديو “محمود البلوشي” من الثلاث حسابات السابقة.
Rami Naim @NAIMRami
Sawsan Mhanna| سوسن مهنّا @SawsanaMehanna
Bassim Alkhazraji @AlKhazraji_75

وتكرر إعادة تغريد هذه المنشورات من تلك الحسابات لدى عدد كبير من الحسابات الوهمية التي شاركت في النشر ضمن وسم #عودة_الحياة_للفاشر فقمنا بتحليل تلك الحسابات.
صحفية لبنانية وباحثة في شؤون الإرهاب والجماعات المتطرفة،

بالإضافة إلى نشرها فيديو حساب “محمود البلوشي” ومشاركة الحسابات الوهمية في نشره من حسابها، شاركت “سوسن مهنا” في النشر في وسم “#عودة_الحياة_للفاشر” وأرفقت لمنشورها الذي ادعت فيه أن الأسواق مزدحمة والطمأنينة تعود الى الناس، صورة تعود الى ٢٠١٣ تم نشرها أيضا في ذات المصدر ويكليكس-الفاشر “أخبار دارفور”

و بتحليل حساب “سوسن مهنا” نجد أنها صحفية تتبنى الرواية الإسرائيلية في أغلب منشوراتها ومداخلاتها مع القنوات التلفزيونية، كما يظهر في خطابها الإعلامي تبنيها الكامل لنزع سلاح حزب الله في لبنان والدعوة الى ذلك.
كان الحساب التالي الذي أعادت الحسابات الوهمية التغريد منه: “Rami Naim @NAIMRami”
هو صحفي وإعلامي لبناني نائب مدير تحرير صحيفة “نداء الوطن”، ويعمل في إنتاج المحتوى التلفزيوني في “أم تي في”.
بالبحث عن “رامي نعيم” توصلنا لمنشور احتفت فيه صفحة “إسرائيل بالعربية” به ونقلت عنه.
وكما شارك نعيم في نشر فيديو “محمود البلوشي” فقد شارك في وسم #عودة_الحياة_للفاشر مرفقا صورة قديمة تعود إلى ٢٠١٢ منشورة على صفحة ويكليكس-الفاشر “أخبار دارفور” كغيره من الحسابات التى ذكرناها مسبقا مما يوحي بتوجيه موحد بمحتوى واحد.
الحساب الثالث الذي اتفقت الحسابات الوهمية على إعادة تغريد فيديو “محمود البلوشي” منه هو
Bassim Alkhazraji @Alkhazraji_75
باسم الخزرجي، إعلامي عراقي
شارك “باسم الخزرجي” ضمن وسم “#عودة_الحياة_للفاشر” مدعيا بعودة الحياة الطبيعية الى مدينة الفاشر، ومرفقا ذات الصور المضللة التي صادفناها مسبقا في تحقيقنا والتي تعود إلى مصدر واحد.
بتحليل حساب “باسم الخزرجي” تبين أنه قد بدأ مؤخرا فقط الترويج للإمارات عبر حسابه.
بينما ظهر لنا من تحليل تغريداته السابقة أنه كان مهاجما لها بسبب دعمها لبشار الأسد.
الخاتمة والاستنتاجات
يكشف هذا التحقيق عن حملة تضليل ممنهجة ومنسقة بعناية تهدف إلى تزييف الحقيقة حول الأوضاع الإنسانية الكارثية في مدينة الفاشر، في وقت تؤكد فيه تقارير دولية موثوقة من الأمم المتحدة والولايات المتحدة والمنظمات الحقوقية وقوع انتهاكات جسيمة وإعدامات ميدانية وعنف عرقي على يد قوات الدعم السريع بعد سيطرتها على المدينة في أكتوبر ٢٠٢٥.
يُظهر التحليل أن وسم #عودة_الحياة_للفاشر لم يكن تعبيرًا عفويًا عن آراء المستخدمين، بل حملة منظمة بدقة تعتمد على:
- شبكات ضخمة من الحسابات الوهمية المنشأة حديثًا (أغسطس-سبتمبر ٢٠٢٥)
- معرفات إلكترونية تحتوي على أرقام عشوائية تكشف طبيعتها الآلية
- متابعون موحدون بصور مصنوعة بالذكاء الاصطناعي
- محتوى متطابق ينشر في توقيتات متزامنة
- قمة النشاط وصلت بعد ٣ ساعات فقط من التغريدة الأولى، مما يشير إلى تفعيل آلي جماعي
جغرافية مشبوهة للحملة
النمط الجغرافي للحسابات المشاركة يكشف التوجيه الخارجي للحملة:
حسابات سعودية٥٠٪
حسابات فرنسية (بأسماء عربية وهمية)٣٠٪
حسابات سودانية ٣٪ فقط
هذا التباين يؤكد أن الحملة لا تعكس واقع السودانيين أو آراءهم، بل هي عملية تضليل موجهة من الخارج.
التلاعب بالمحتوى المرئي
اعتمدت الحملة بشكل منهجي على:
- صور قديمة تعود لأعوام ٢٠١٢-٢٠٢٤
- مصدر موحد للصور (صفحة ويكيليكس-الفاشر “أخبار دارفور”)
- صور من مناطق أخرى غير الفاشر
هذا التكتيك يكشف غياب أي دليل حقيقي على “عودة الحياة” للمدينة، مما استدعى الاستعانة بمواد مضللة.
الأذرع الإعلامية المحترفة
مشاركة صحفيين وإعلاميين موثقين (عراقيين ولبنانيين) في الحملة بنفس المحتوى المضلل وفي نفس التوقيت يشير إلى:
- توجيه مركزي موحد
- تنسيق إعلامي دولي
- استخدام شخصيات موثوقة لإضفاء المصداقية على الرواية المزيفة
الحسابات الموثقة الرئيسية المشاركة:
- سوسن مهنا – صحفية لبنانية
- رامي نعيم – إعلامي لبناني
- باسم الخزرجي – إعلامي عراقي
- شاهو القرة داغي – محلل سياسي عراقي
- عمر عبدالستار محمود – قيادي عراقي
- طوني بولس – صحفي لبناني
التقاطع مع حملات أخرى
ارتباط الحسابات المشاركة في وسم الفاشر بحملة “محمود البلوشي” الإماراتية، وإعادة نشر نفس الحسابات الوهمية لمحتوى من حسابات موثقة محددة يكشف:
- شبكة منسقة من الحملات التضليلية
- أجندة سياسية موحدة