في الثالث عشر من نوفمبر 2025، هبطت طائرة خاصة على مدرج مطار “أو. آر. تامبو” الدولي بجوهانسبرغ، تقل أكثر من 150 فلسطينيًا من قطاع غزة في رحلة غير معلنة. لكن ما كان يُفترض أن يكون وصولًا عاديًا، تحوّل إلى أزمة دبلوماسية وإنسانية معقدة بعدما اكتشفت السلطات أن جميع الركاب وصلوا دون أي وثائق سفر رسمية أو تأشيرات دخول.
ساعات طويلة بقيت خلالها العائلات عالقة خلف بوابات المطار، بينما انتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي مقطع مصور من داخل الطائرة يُظهر الفلسطينيين وهم يستغيثون، مؤكدين أن السلطات منعتهم من النزول. الحادثة دفعت الحكومة إلى فتح تحقيق موسّع تولّاه جهاز الاستخبارات الوطني مباشرة، في محاولة لفهم كيفية وصول هذا العدد من الأفراد دون أي ترتيبات رسمية مسبقة.
في خضم الأزمة، أعلن الرئيس سيريل رامافوزا أن نحو 160 فلسطينيًا وُضعوا بطريقة غامضة على متن طائرة مرّت عبر نيروبي في كينيا قبل وصولها إلى جوهانسبرغ. وأكد أن بلاده لن تعيد لاجئين إلى منطقة حرب، مانحًا إياهم إذنًا استثنائيًا بالدخول رغم غياب الوثائق المطلوبة، لكنه شدد على ضرورة معرفة الجهات التي نظّمت هذه العملية.
وفي سياق متصل، كشف أحد المسؤولين في جمعية إنسانية أفريقية للجزيرة عن صلة تلك الرحلة بمؤسسة تدعى “المجد أوروبا”، مشيرًا إلى أنها الجهة المسؤولة عن تنظيم العملية بأكملها.
لكن الأسئلة الكبرى بقيت دون إجابات واضحة: من وضع هؤلاء الفلسطينيين على متن الطائرة؟ كيف خرجوا من غزة الخاضعة لحصار عسكري مشدد منذ سنوات؟ وما هي حقيقة مؤسسة “المجد أوروبا” الغامضة التي نظّمت نقلهم عبر معبر كرم أبو سالم إلى مطار رامون، ثم إلى جنوب إفريقيا؟
في هذا التحقيق، تتتبع “رسوف” المسار الكامل لهذه الرحلة: من نقاط التجميع داخل غزة مرورًا بالحافلات الإسرائيلية والطائرة مجهولة الهوية، وصولًا إلى جنوب إفريقيا التي وجدت نفسها فجأة أمام واحدة من أكثر قضايا الهجرة غموضًا وإرباكًا منذ سنوات.
تتبع الرحلة
بدأت الرحلة – وفقًا لشهادات الركاب – من داخل قطاع غزة حيث نُقلوا عبر حافلات إلى معبر كرم أبو سالم الحدودي جنوب القطاع، ومنه عبروا إلى مطار رامون العسكري في إيلات. من هناك، صعدوا على متن طائرة خاصة توجهت إلى جنوب إفريقيا عبر محطة عبور في نيروبي، كينيا.

أظهرت بيانات تتبع الطائرات رحلة تحمل الرقم 4D2301 تابعة لشركة FLYYO الرومانية، أقلعت من مطار رامون في إيلات في ١٢ نوفمبر ٢٠٢٥ الساعة 7:06 مساءا لتهبط في مطار نيروبي في كينيا الساعة 12:49 صباحا.
وذلك في اليوم السابق مباشرة لوصول الفلسطينيين إلى جوهانسبرغ.

كما كشف تتبع سجل رحلات الشركة إلى نيروبي عن تكرار هذا المسار مرتين: الأول انطلقت فيه الرحلة من مطار عوفدا العسكري في ٢٧ أكتوبر الساعة 6:59 مساءا أي قبل أقل من شهر من الرحلة الثانية التي انطلقت من مطار رامون، وكانت الوجهة في الحالتين نيروبي.
ويتوافق هذا مع ما أوردته قناة الجزيرة عن وصول دفعة أولى من الفلسطينيين إلى جنوب إفريقيا في وقت سابق.


بتحليل موقع شركة “المجد أوروبا”، عُثر على مقال تدّعي فيه الشركة أنها أنقذت فتاة تدعى “منى” في مارس ٢٠٢٣ ونقلتها مع والدتها إلى مكان آمن. لكن البحث العكسي عن الصورة المرفقة بالمنشور كشف أنها نُشرت على موقع Middle East Eye عام 2012، وتعود لفتاة تدعى “عبير خيرت”.

كما رصدنا رقم هاتف مرتبط بشخص يدعى “مؤيد”، نشرته الشركة كأحد أرقامها الرسمية.

وبمزيد من البحث داخل الموقع الإلكتروني، عُثر على صورته الشخصية مع توصيف يشير إلى أنه مدير المشروع الإنساني في غزة.

وبالبحث عن رقم الهاتف المرفق، ظهر في منشور يعود لنادٍ رياضي في غزة.
كما ظهر “مؤيد سيدام” في التعليقات.

وبالدخول لحسابه ، تأكد ارتباط رقم الهاتف المنشور على موقع “المجد أوروبا” بـ”مؤيد” عبر منشور له في 11 نوفمبر 2025، أكد فيه ملكيته لنفس الرقم.

وبمقارنة الصورة الشخصية على حسابه الشخصي بالصورة الموجودة على موقع المنظمة تبين أنه نفس الشخص

وبالبحث في حسابه توصلنا الى منشور يعود تاريخه ل ١٦ – ٦ – ٢٠٢٥ يعلن فيه مغادرته قطاع غزة بلا عودة، وظهرت في الخلفية صورة لطائرة يظهر جزء من شعارها.

وبالبحث العكسي تبين أن الطائرة تعود لشركة Fly Lili الرومانية.

وبالبحث عن رحلات قامت بها تلك الطائرة في الفترة السابقة لمنشور “مؤيد” ومن المطارات ذاتها التي انطلقت منها الرحلتان السابقتان، ظهرت رحلة وحيدة نفذتها شركة Fly Lili في ٢٧ مايو ٢٠٢٥ من مطار رامون في إسرائيل إلى مطار بودابست في المجر، والذي يُعتقد أنه كان مجرد محطة عبور بين إسرائيل والوجهة النهائية.


تأكدت تلك الوجهة النهائية بعد تحليل الصورة الشخصية التي نشرها مؤيد في ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٥ والذي تبين أنه موجود في اندونيسيا.
سبق ذلك ادعاءات للقناة 12 العبرية أن إندونيسيا ستكون الوجهة الأولي لتجربة تهجير ١٠٠ شخص من قطاع غزة.

وبالعودة إلى موقع “المجد أوروبا” وجدنا مسارا مخفيا لأرشيف صور الموقع ،.وبتحليله وجدنا أنه يحتوي على جميع الصور التي رُفعت على الموقع منذ إنشائه، بما فيها الصور التي حُذفت من واجهة الموقع.

وجدنا بين الصور صورة تحمل شعار TalentGlobus.
وبالبحث عن الصورة على واجهة الموقع لم نجدها، مما يعني أنها احدى الصور التي رُفعت على الموقع ثم حُذفت بعد ذلك، لكنها لاتزال موجودة في هذا الأرشيف الذي لا يظهر للمستخدمين.

بالبحث الأولي عن شركة TalentGlobus تبين أنها شركة أستونية يمتلكها شخص يدعى Tomer Janar Lind

بمزيد من البحث توصلنا الى موقعا إلكترونيا تحت التطوير يعود للشركة.

ورغم أن الموقع يُقدّم نفسه كمنصة توظيف عالمية، إلا أن التحليل كشف أن أجزاء كبيرة من محتواه موجهة بشكل خاص لسكان قطاع غزة.
كما تضمّن الموقع في أكثر من موضع إشارات إلى مسؤولية الشركة عن جميع مراحل الهجرة والانتقال لراغبي التوظيف.


بمزيد من البحث توصلنا إلى نطاق آخر مرتبط بالبريد الإلكتروني الموجود بالموقع.

وبالدخول إلى هذا النطاق توصلنا الى الموقع الرسمي لمؤسسة “Talent Globus”.
و بتحليل الموقع الرسمي للمؤسسة توصلنا إلى “Tom Lind ” مؤسس المنظمة وهو اسم مختصر من الاسم الذي سجلت باسمه الشركة في استونيا “Tomer Janar Lind”.

وبالوصول الى حسابه على لينكدان تأكدت لنا علاقته بشركة TalentGloubs ومكان إقامته بدولة الإمارات.

وبتحليل حساب “Tom Lind” على لينكدإن، ظهر منشور يعود الى مايو 2025 يتحدث فيه عن نجاحه في مساعدة مجموعة من الغزيين على مغادرة القطاع. يتزامن هذا التوقيت مع الشهر نفسه الذي غادر فيه “مؤيد” غزة ضمن الدفعة التي وصلت إلى إندونيسيا، مما يشير إلى مسؤولية مباشرة لـ”Tom Lind” في تنظيم عمليات الإخلاء هذه.

كما شارك في منشورات أخرى تعود الى بداية عام ٢٠٢٥ عن نيته العمل على إخراج مجموعات من غزة والضفة الغربية لاحتياج سوق العمل إليهم.



وبالبحث خلف شركة “Kalev Consulting” التي ظهرت في حسابه على لينكدإن، ،وصلنا الى موقعها الإلكتروني، حيث وجدنا العديد من خدماتها التي تتمثل في إعادة توطين واستخراج الوثائق اللازمة لذلك .

كما توصلنا إلى بيانات الاتصال الخاصة بالشركة وموقعها في دولة الإمارات.

وبالبحث عن رقم الهاتف المرتبط بشركة”Kalev Consulting” ظهر في نتائج البحث موقعي “المجد أوروبا” و”Kalev Consulting ” وبالبحث داخل موقع المجد أوروبا لم نجد رقم الهاتف مما يعني أنه حُذف.

ظهر تشابه واضح بين موقعي “المجد أوروبا” و”Kalev Consulting”، فهما مبنيان باستخدام نفس المنصة البرمجية “Lovable“، ويحملان الخلل الأمني ذاته الذي يسمح بالوصول إلى مجلد الصور المحملة على السيرفر حتى بعد حذفها من واجهة الموقع.
الأهم من ذلك، أن الموقعين مستضافان على نفس السيرفر، مما يشير بقوة إلى أن الشخص أو الجهة التي تقف وراءهما واحدة.
https://almajdeurope.org/lovable-uploads/
https://www.kalevconsulting.com/lovable-uploads/


وبالبحث أكثر خلف “Tom Janar Lind” وجدنا أنه أسس مجموعة من الشركات الوهمية في بريطانيا، كما أظهر سجل تسجيله لتلك الشركات أنه يحمل الجنسية الاستونية والإسرائيلية. وبالبحث عن تلك الشركات لم نستطيع التوصل الى أي نشاط رقمي لها.

في نهاية تتبعنا لمسار الرحلة وشبكة الأطراف المتورطة، يتضح أن العملية لم تكن عشوائية ولا إنسانية بحتة، بل جزء من مشروع مُحكم تقف خلفه شبكة يقودها توم يانار ليند عبر مجموعة منظمات تسجيلها قانوني لكن نشاطها فعليًا غير شفّاف. من خلال شركات مثل “TalentGlobus” و”Kalev Consulting” وواجهة “المجد أوروبا”، تمكنت هذه الشبكة من تنظيم خروج مجموعات من الفلسطينيين عبر ممرات خفية تعتمد على مطار رامون، وخطوط طيران أوروبية صغيرة، مرورًا بمحطات وسيطة تُستخدم لتضليل أي تتبّع مباشر.
تكشف الأدلة الرقمية — من الصور الموجودة على السيرفرات، وتطابق البنية البرمجية للمواقع، وروابط الهواتف، وحسابات لينكدإن، وسجلات التسجيل في بريطانيا — أن العملية كانت تهجيرًا منظمًا تُنفّذه شبكة واحدة متعددة الواجهات، وليست مبادرات مستقلة كما ادُّعي في البداية.
رحلة جنوب أفريقيا لم تكن سوى الحلقة الأحدث في سلسلة عمليات بدأت بالفعل قبل أشهر، مرَّ بعضها عبر إندونيسيا، وتكررت عبر نيروبي، ومن المرجّح أنها استهدفت بناء “مسار هجرة” ثابت خارج غزة تحت غطاء العمل الإنساني.